ثقافة ومنوعات

عادات شامية ….طقوس الحسد والعين

الاخبارية العربية السعودية

عادات شامية ….طقوس الحسد والعين

 

متابعة نجاة احمد الاسعد 

 

اليوم نأخذكم برحلة إلى الذاكرة الشامية القديمة، حيث كان الاعتقاد بالحسد والعين راسخاً في وجدان الناس، حتى قيل في أمثالهم: العين تفلّ الحديد. وكانوا يفسرون أي مرض مفاجئ أو تعثر أو حتى كسرة في البيت بأنه أثر عين حاسد، خاصة إذا جاء بعد مناسبة فرح أو مدح زائد. ومن خوفهم على أحبّتهم، نسجوا حول العين طقوساً وأساليب بعضها طريف وبعضها غريب، لكنها تعكس حرصهم على الحماية والطمأنينة.

كانت النساء مثلاً يرششن الملح في زوايا البيت مع تلاوة الأدعية، اعتقاداً أن الملح يمتص أثر الحسد. وفي طقس آخر، كانوا يضعون الفحم المشتعل في كوب ماء ثم يسكبونه على عتبة الدار أو تحت أقدام المصاب، فإذا تشقق الفحم اعتُبر ذلك دليلاً على قوة العين. وفي البيوت الدمشقية القديمة انتشر استخدام الزجاج الأزرق في الشبابيك العلوية، ليس للزينة فقط بل ليكون سداً في وجه العيون الحاسدة.

 

وللأطفال نصيب أوفر من هذه الطقوس، فإذا بكى الطفل من غير سبب قيل إنه مفلوق، فتأخذ الجدة قطعة قماش قديمة وتشعلها بالنار أمامه، ثم تمرر دخانها حول جسده في طقس يُعرف بفَلْك الولد. كما كانت النساء يحرقن الحرمل في المبخرة ويمررن دخانه فوق رأس المعيون، لأن رائحته ـ كما اعتقدوا ـ تخنق أثر الحسد وتطرد الشياطين. ومن الطرائف أن بعض الجدات كن يعلّقن في ثياب الطفل سنّ ثعلب أو مخلب حيوان كحرز ضد العين، فيما كانت أخريات يضعن مرآة صغيرة على صدره اعتقاداً أن المرآة تعكس الشر وتعيده إلى صاحبه.

 

ولم يكن الأمر مقتصراً على الأطفال، بل حتى في الأعراس والمناسبات السعيدة كان للعين حسابها. فالأهازيج الشعبية والطبول والزغاريد لم تكن مجرد فرح بل وسيلة لرد العين، إذ قيل إن الصوت العالي يربك الحاسد ويكسر وقع نظرته. وفي بعض القرى كانت العروس تُخفى عن أعين الضيوف حتى تنتهي ليلة الدخلة، ويُقال: “لا تشوفوها بكير”، خوفاً عليها من الحسد. بل إن بعض البيوت كانت تكسر صحناً فخارياً أو قطعة زجاج إذا شعروا أن ضيفاً غريباً جلب بعينه النحس، معتبرين أن الكسر يفرغ الشر ويبعد البلاء.

وفي مناطق أخرى من الشام، ظهرت عادات مغايرة مثل ما سُمّي بالماء المرقوم، حيث كانوا يكتبون بالزعفران أو بماء الورد آيات من القرآن على ورقة، ثم يغسلونها بالماء ويشربها المعيون. وهناك أيضاً عادة الرصاص المذاب، حيث كانت بعض النساء يذيبون الرصاص ويسكبنه في ماء بارد فوق رأس المصاب، ثم يتأملن الأشكال المتكوّنة، فإذا ظهر شكل عين قالوا: “هذه عين فلان”. كما عُرف عنهم أنهم كانوا يقرؤون الفاتحة على الزيت ثم يدهنون به جبين الطفل أو يضيفونه إلى الطعام بكمية قليلة لطرد أثر الحسد.

 

والمثير أن هذه الطقوس لم تكن حكراً على بلاد الشام وحدها، بل نجد لها شبيهاً في دول كثيرة. فالمصريون مثلاً يرشّون الملح ويكسرون البيض، والمغاربة يحرقون الشيح، واليونانيون والأتراك يعلّقون الخرزة الزرقاء وهذا يثبت أن الخوف من العين كان شعوراً إنسانياً عاماً، وإن اختلفت الطرق والرموز بين الشعوب.

 

وهكذا نرى أن طقوس الحسد والعين لم تكن مجرد خرافات، بل تعبير عن هواجس الناس وخوفهم على أحبّتهم. بعضها كان رمزياً يزرع الطمأنينة في النفس، وبعضها الآخر اندثر مع الزمن، لكن الذاكرة الشعبية ما زالت تحفظه كجزء من الهوية.

 

 وفي النهاية ظل الشاميون يرددون قولهم القديم: العين حق…لكن الصلاة على النبي بتكسرها.

 

https://www.facebook.com/share/v/1EUPBH519c/

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى