ثقافة ومنوعات

عادات شامية ….. التعليلة

الاخبارية العربية السعودية

عادات شامية ….. التعليلة

 

متابعة نجاة احمد الاسعد 

 

 اليوم سنأخذكم في رحلة زمنية إلى واحدة من أجمل العادات الشامية القديمة. عادة بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت مدرسة اجتماعية متكاملة. إنها التعليلة. قد يكون بعضكم سمع بالاسم، وقد يجهل البعض الآخر تفاصيلها، لكن في هذه الدقائق سنغوص معاً في أسرارها، ونتعرّف كيف عاش أجدادنا سهراتهم، وكيف كانت التعليلة أكثر من مجرد جلسة… كانت أسلوب حياة.

 

التعليلة هي السهرة المسائية التي يجتمع فيها الناس بعد يوم طويل من العمل والتعب .و تبدأ عادة بعد صلاة المغرب وتمتد أحياناً حتى منتصف الليل، يلتقي فيها أهل الحارة أو العائلة أو الجيران. لكنها لم تكن سهرة عادية، بل كانت منصة اجتماعية وثقافية وتربوية، وأحياناً سياسية.

 

كانت الجلسة تقام غالباً في البيوت الواسعة ذات الباحات، حيث تُفرش البسط وتوضع الوسائد، فيجلس الرجال في مكان، والنساء في مكان آخر، وأحياناً يجتمع الطرفان عند الغناء والحداء. أما الضيافة فكانت جزءاً أصيلاً: أكواب الشاي على الفحم، والقهوة المرة، مع بعض الأطباق البسيطة كالمكسرات أو الذرة المحمصة.

 

ما الذي كان يحدث في تلك السهرات؟ هنا يكمن الجمال. كان هناك الحكواتي الذي يروي قصص البطولة الشعبية مثل أبو زيد الهلالي وعنترة. وكان هناك الغناء بالموشحات والقدود، يرافقه العود أو الربابة. وكان الرجال يتسلون بألعاب مثل المنقلة والسيجة، بينما تنشغل النساء بألعاب وأغنيات خاصة بهن. وكان الشعراء الشعبيون يتبارون في إلقاء أبيات طريفة أو حكيمة. وفي المناسبات الخاصة، تتحول التعليلة إلى عرس صغير احتفالاً بخطبة أو نجاح أو عودة غائب.

 

التعليلة لم تكن مجرد ترفيه، بل كانت أهم وسيلة للتواصل الاجتماعي. الأطفال كانوا يسمعون قصص الكبار ويتعلمون القيم والأمثال. النزاعات كانت تُحل في أجواء هادئة، إذ يحضر وجهاء الحارة ويُبرم الصلح. التعارف بين العائلات كان يتم هناك، فتبدأ من هذه السهرات قصص خطبة وزواج. وحتى المساعدة كانت حاضرة، فمن يحتاج شيئاً يطرحه، فيتعاون الجميع.

 

ومن الأمور غير المعروفة أن التعليلة كانت تقام بحسب الفصول: في الصيف بالساحات أو على الأسطح، وفي الشتاء بجانب المدفأة أو الكانون. وكانت وسيلة لنشر الأخبار قبل وجود الصحف والإذاعات. كما لعبت دوراً اقتصادياً، فالنساء كنّ يجتمعن أحياناً لإعداد مؤونة البيت من مخللات ومربيات وغزل صوف، فيتحول العمل إلى نشاط جماعي. ولم تقتصر على الليل فقط، بل كان هناك أيضاً تعليلة صباحية بعد الفجر للرجال قبل ذهابهم إلى الحقول. وكان هناك بيوت معينة تعرف بكرمها، فتكون ملتقى التعاليل وتتناوب الضيافة بينها وبين بيوت أخرى.

 

ومع دخول التلفزيون ثم وسائل الإعلام الحديثة، بدأت هذه العادة تضعف شيئاً فشيئاً. وصار كل واحد يقضي سهرته مع شاشة صغيرة بدل أن يسهر مع جيرانه. لكنها لم تختف تماماً، فما زالت موجودة في بعض القرى والبلدات، وهناك محاولات لإحيائها عبر المهرجانات الثقافية.

 

التعليلة تحمل في جوهرها رسالة عميقة: أن السهرة أجمل بالناس لا بالشاشات، وأن الضحكة أوسع حين نشاركها، وأن العلاقات الاجتماعية هي شبكة الأمان الحقيقية.

 

أعزائي قد نعيش اليوم في زمن سريع، لكن التعليلة تذكّرنا أن البساطة فيها متعة، وأن سر السعادة ليس بالكماليات، بل بجلسة قهوة مع من نحب. فلنحاول ولو مرة في الأسبوع أن نطفئ التلفاز والهواتف، ونجمع الأهل والأصحاب، لنصنع تعليلة صغيرة تعيد إلينا الدفء الذي عاشه اجدادنا

دمتم بخير

https://www.facebook.com/share/v/19rnVxounm/

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى