Celebrity newsLive news

دريد ونهاد… ثنائية فنية لا تتكرّر 

Live news

دريد ونهاد… ثنائية فنية لا تتكرّر 

 

 نجاة احمد الاسعد

 

نأخذكم اليوم في رحلة إلى ذاكرة الفن العربي؛ إلى ثنائيةٍ لا تُنسى، صنعت الضحكة، وخلّدت صورة شعبٍ أحبّ الفرح رغم كل الظروف. رحلة إلى عالم دريد لحّام ونهاد قلعي… أو كما عرفهما الناس في كل بيت: غوار الطوشة وحسني البورظان.

 

هذه الثنائية لم تكن مجرّد تعاون بين ممثلَين، بل كانت حكاية فنية كاملة، قائمة على التفاهم والذكاء والمحبّة، وعلى طاقةٍ نادرةٍ جعلت الناس ينتظرون أعمالهما بشغف. إنها تلك الأعمال التي لا تُستنسخ ولا تتكرّر… لأنها أصبحت جزءاً من الذاكرة، لا من الملكية الفنية لمن صنعها.

 

كان اللقاء الأول بين دريد ونهاد لقاءً قدريّاً. ففي الثالث والعشرين من تموز عام 1960، يوم افتتاح التلفزيونين السوري والمصري، بدأ التلفزيون السوري خطواته الأولى تحت إدارة الأستاذ صباح قباني. وفي الأسبوع الثاني من البث ظهر دريد لحّام لأول مرة في “إسكتش” صغير بعنوان الإجازة السعيدة، من إخراج خلدون المالح، وعُرض حينها في التلفزيون المصري أيام الوحدة.

 

وفي الحلقة الأولى لذلك البرنامج كان المطلوب وجود خمسة ممثلين. أربعة وُجدوا بسهولة، وبقي الخامس. بحثوا طويلاً إلى أن وجدوا موظفاً جمركياً يملك حضوراً وإحساساً طريفاً… اسمه نهاد قلعي. ومن هنا بدأ اللقاء الذي سيغيّر تاريخ الكوميديا العربية.

 

بعد عام واحد فقط، قدّم الاثنان أوبريتاً مسرحياً بمناسبة أعياد الثورة عام 1961 بعنوان عقد اللولو. ولاقت المسرحية إعجاباً كبيراً دفع المنتج نادر الأتاسي إلى تحويلها إلى فيلم سينمائي عام 1964. كان النجاح مذهلاً، فتوالت الأعمال؛ لقاء في تدمر عام 1965، ثم الشريدان الذي تعرّض لفشل كبير بسبب خطأ تقني في مزامنة الصوت مع الصورة، فكان صدمة للثنائي.

 

ذلك الفشل وضعهما أمام سؤال صعب: كيف يستعيدان ثقة الجمهور؟ فكان الرد بفيلم فندق الأحلام عام 1966، أول أفلامهما بالألوان، وبمشاركة ميشلين ضو. نجح الفيلم نجاحاً كبيراً، فأعاد إلى الثنائي مكانتهما. ثم جاء أنا عنتر، والمليونيرة مع الشحرورة صباح، والنصابين الثلاثة مع الفنان المصري فريد شوقي، وغرام في اسطنبول وغوار جيمس بوند و الصديقان وخياط السيدات وصح النوم وغيرهم كثيرا… حتى بلغ عدد أفلامهما معاً أربعةً وعشرين فيلماً.

 

ورغم هذا النجاح الكبير، لم يكن نهاد قلعي راضياً تمام الرضا عن تجاربه السينمائية، إذ شعر أنّ السينما وقتها واقعة تحت تأثير الذوق المصري السائد، وأن أفلامهما لم تأخذ حقّها من العمق. لكن الرضا الحقيقي كان في التلفزيون والمسرح… هناك، حيث ظهرت روح الشراكة والإبداع بكل وضوح.

 

عام 1967 كتب نهاد قلعي مسلسل حمّام الهنا. لم يتوقع أحد أن يحقق ذلك المسلسل نجاحاً يمتد لأجيال، وأن يصبح جزءاً من ذاكرة الناس اليومية. ثم جاء مقالب غوار وصحّ النوم… مسلسلات صنعت عالماً خاصاً، مليئاً بالشخصيات التي ما زالت حيّة في ذاكرة كل عربي.

 

فمن يستطيع أن ينسى “غوار الطوشة” ودهاءه؟ أو “حسني البورظان” الطيب البسيط الذي لا يكتمل المشهد إلا بوجوده؟ ومن ينسى “أبو عنتر”، و”بدري أبو كلبشة”، و”أبو رياح”، و”فطوم حيص بيص”، و”ياسين”؟

هذه الشخصيات لم تكن مجرد أدوار… كانت مرايا للناس، للشارع، ولطبقات المجتمع المختلفة.

 

وفي موازاة نجاحهما التلفزيوني، أسس دريد لحّام ونهاد قلعي مع مجموعة من الفنانين مسرح “تشرين”. ومن على خشبته قدّموا أعمالاً خالدة مثل ضيعة تشرين ومسرح الشوك. وكانت آخر إطلالة مسرحية لنهاد قلعي في مسرحية غربة… تلك المسرحية التي ما زال كثيرون يستعيدون مشاهدها حتى اليوم.

 

لكن خلف هذه المسيرة اللامعة، كان هناك قدر قاسٍ ينتظر نهاد قلعي.

لم يخطر بباله يوماً أن يتحول اسمه الفني، “حسني البورظان”، إلى نقمة يستخدمها البعض للسخرية منه في الشارع. حادثة اعتداء مؤسفة أدت إلى إصابته بإعاقة شديدة، كانت بداية رحلة مع الألم امتدت لسنوات، وانتهت برحيله عام 1993.

رحل نهاد… لكنه ترك إرثاً لا يشيخ، وابتسامة لا تزال تُرسم كلما ظهر على الشاشة.

 

أما دريد لحّام، فتابع العمل والإبداع، حاملاً ذاكرة شريكٍ وصديقٍ ورفيقٍ في الفن والضحكة.

 

أعزّائي 

إن ما قدّمه دريد لحّام ونهاد قلعي لم يكن مجرد كوميديا للترفيه، بل كان صورة صادقة لإنسان المنطقة… بأحلامه، ووجعه، وحياته اليومية. كانت ضحكة نابعة من واقع، وممزوجة بمعنى ورسالة. وهذا هو سرّ الأعمال التي تبقى… لأن الباقي دائماً هو الصدق، والموهبة، والقيمة الإنسانية التي تُقدَّم للناس.

 

ستة عشر عاماً فقط استمرت هذه الثنائية… لكنها، حتى اليوم، تُستعاد وتُعاد مشاهدها وكأنها صُوّرت أمس.

فبعض الأعمال لا تشيخ… وبعض المبدعين لا يغيبون.

رحل نهاد قلعي جسداً، لكن صدى صوته ما زال يعيش بيننا. وبقي دريد لحّام شاهداً على زمنٍ جميل، وعلى صداقةٍ صنعت أجمل ما في الكوميديا العربية.

تابعونا على الفيس بوك

https://www.facebook.com/share/1QBkEEktRj/

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button