هل الرجل العربي رومانسي؟

هل الرجل العربي رومانسي؟
بقلم: سهام حسين القحطاني
فالخالدون من العشاق من قتلوا ** والميتون بسيف الحب أحياء .. “جبر البعداني”
قد يعتقد البعض أن العرب في تاريخ نشأتهم الأولية هم قوم بلا رومانسية بسبب طبيعة المكان الذي نشأوا فيه “الصحراء” وهذا الكلام غير صحيح؛ فالصحراء مكان ذو طبيعة رومانسية في ذاتها؛ فهي داعمة للتحرر من القيود و محفزة على الخيال الخصب و ملهمة للتجديد، بلا نمطية فارضة للتشكلّ الأحادي، وهذه حرية تخلق داخل من يسكنها التفكير الطازج الحيوي المتجدد الفوري، ومن هنا قد تغيب المنهجية المتتابعة أو المتراكمة عن فكر ساكني الصحراء؛ بسبب خصائص هذا التفكير.
ولو عدنا إلى شعر الغزل في الأدب العربي عبر تاريخه سنجد أنه ممثل لرومانسية العربي كما تعلّمها من صحرائه؛كالذاتية الشفافة والخيال المتجدد، رومانسية تشتق خصائصها من فعل الصحراء؛الألم و الهجر و الفراق وكأن لسان حالها تقول “أجمل الحب أعذبه” حتى محبوبته شكل صورتها الوجدانية من رمال تلك الصحراء ما بين حضورها كمطر مؤقت وغيابها كجدب طويل المدى،فهي تتراءى له في شجرها و حيواناتها و شمسها و قمرها.
عندما نتحدث عن رومانسية العربي تظهر لنا مسألة صورة المرأة، والتي نستشف منها علاقة الاحترام الذي كانت تحظى بها المحبوبة والتي تتصف بالحياء و التعفف و خصوصية الهوية لحمايتها ،بل وخصوية الصورة الوجدانية لها حتى تتوافق مع طبيعة الهوية العربية المحافظة؛ ولذا كانت المحبوبة تٌسمى بأسماء مستعرة وصياغة مجهولية؛ لتوفير حصانة الخصوصية الوجدانية لها،وهذا مادفع بعض المؤرخين إلى التشكيك في حقيقة ثنائيات الحب التي وصلت لنا عبر شعر الغزل.
قد يقول قال أن رومانسية الرجل العربي لايمكن أن نقررها من خلال شعر الغزل،لأنها صياغة موضوعية مقصودة لا يُستدل من خلالها على نمط سلوكي وفكري عام تتصف به الجماعة.
أولا: إن الشاعر العربي هو ممثل في فكره لجماعته وخاصة في الشعر العربي القديم إذ كان الشاعر هو صوت وصورة قبيلته، ولايمكن أن يقول ما يخالف الجماعة بل ما يرسخ فكرها وسلوكها، فرؤيته للمرأة وطبيعة الرجل العربي المحب الصادق المحترم للمرأة والمحافظ لكرامتها والتي تيح لها مساحة من الدلال هي بالتأكيد رؤية قبيلته في ذات الاتجاه.
والأمر الآخر أن الشاعر هو؛ بمثابة “مشهور” ولذا فتسويقه لرؤيته نحو المرأة و رومانسية الرجل العربي المتمثلة في الشاعر ستكون لها تأثيرا فعالاً للاقتداء به في علاقة أي رجل بامرأة.
ومع ظهور شعر الغزل الصريح على يد عمر بن ابي ربيعة تغيرت رومانسية الشاعر العربي من التلميح والإشارة إلى التصريح، هذه الطريقة التي كسرت قواعد الغزل العفيف لم تسطع أن تشكل مذهبا يؤثر على العلاقة الرومانسية بين الرجل العربي والمرأة كما رسمها الغزل العفيف من حب هادئ ومشاعر دافئة وسلوك يحافظ على كرامة الصورة الوجدانية للمرأة العربية.
وقد حول هذا الاتجاه المرأة إلى “سلعة” وهو ما انتفضت عليه الذهنية الشعبية في صمت وجعلته يتهاوى مع مرور الأيام حتى ظهر “نزار قباني”.
لاشك أن ثمة مؤشرات نستطيع أن نبني عليها حكمنا و تقريرنا في إجابة سؤال “هل الرجل في عمومه رومانسي”؟
منها مفهوم الرومانسية عند الرجل في كل عرق، وطبيعة علاقة الرجل بالمرأة و محركاتها في نسختيها الموروثة و المكتسبة.
لقد حظيت المرأة العربية قبل الإسلام بمكانة رفيعة بصرف النظرعن الاستثناءات الشاذة التي لا تمثل طبيعة العربي، وبعيدا عن تلفيقات المستشرقين.
كما حظيت بأعلى مكانة شريفة في الإسلام الذي رسم خط الرومانسية في الزواج بالمودة و الرحمة، وفي الطلاق بالفضل و المعروف،وفي الرضاعة بعد الطلاق بالرزق و الكسوة وعدم الضرر.
إن مفهوم الرومانسية بين الرجل والمرأة في الإسلام يتجاوز الوجدانية إلى الإنسانية في دلالتها العميقة الباقية.



