الاخبارية mbcثقافة ومنوعات

لماذا نحب كرة القدم؟

لماذا نحب كرة القدم؟

بقلم: سهام حسين القحطاني

الهوس بالرياضة ليس وليد العصر الحديث بل هو مرتبط بنشأة التاريخ الإنساني منذ القدم، منذ رياضة الصيد ،فقد كان لكل شعب رياضته الذي هي جزء من تاريخه و موروثه ؛نشأت وفق طبيعة جغرافيته وأصول ثقافته التربوية ؛أي أن الرياضة ارتبطت بخصوصية الشعوب و أصول التربية التي كانت تسعى الشعوب لتعليمها للأجيال، فقد كانت وسيلة تربوية و ثقافية وليست وسيلة ترفيهية.

وينسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “علموا أولادكم السباحة و الرماية و ركوب الخيل”.

وعندما نعود إلى تاريخ “أسبرطة” سنجد أن التعليم كان قائما على الرياضة لإنتاج محاربين أقوياء مثل رياضة المصارعة.

ثم ما لبث الإنسان إن انتقل من مصارعة الإنسان إلى مصارعة الحيوانات مثل “الثيران”، وأول ظهور لهذه المصارعة كانت عند النبلاء، ولعل مصارعة الثيران كانت فاتحة تحول المفهوم حول الرياضة كونها وسيلة تربوية إلى وسيلة ترفيهية.

لم تقتصر الرياضة في خلفيتها الترفيهية بين الإنسان والإنسان أو الحيوان و الإنسان، بل و الحيوان مع الحيوان مثل “صراع الديوك”.

وكلما تطور الإنسان ارتقت وسائل الرياضة وأهدافها، فكانت رياضة الشطرنج تحول لمفهوم الرياضة من الاعتماد على الجسد إلى الاعتماد على العقل.

ونصل الآن إلى رياضة “كرة القدم” التي كانت ثورية إنسانية في ذاتها؛ استطاعت أن توحد الإنسانية و تلغي حواجز اللون و اللغة و العقيدة بين كل البشر و تجعلهم على قلب رجل واحد.

ومع أن كرة القدم يعود تاريخها للصين القديمة التي كانت تسمى هذه الرياضة “تشو تسو”، ثم ظهرت بشكل مختلف في إنجلترا في العصور الوسطى و اطلق عليها “رياضة الفوضى” ثم مُنعت، إلا أن منتصف القرن التاسع عشر هو الذي أرّخ التاريخ الفعلي لكرة القدم عندما “ضبطت و توحدت قواعدها و أصولها” بعد تأسيس اتحاد كرة القدم عام 1863 “FA” في لندن، وفي عام 1904 تأسس الإتحاد الدولي لكرة القدم “FIFA” في باريس لتوحيد اللعبة عالميا، وفي عام 1930 انطلقت أول بطولة لكأس العالم.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، أصبحت كرة القدم رياضة شعبية عالمية، ولعل هذا التوافق الزمني مع تصاعد شعبية كرة القدم، دلالة فقد انهكت هذه الحرب شعوب العالم و اثقلتها بالأوجاع وفقدان الأحبة و الذكريات الحزينة، وما كان لها لتنسى سوى البحث عن وسيلة ترفيهية تُذوّب داخلها أوجاعها و اكتئابها و ذكرياتها الحزينة فكانت “كرة القدم” وكما توحدت الشعوب في أوجاع وخسارات الحرب العالمية الأولى توحدت بمساندة خفية في تشجيع كرة القدم، فكانت أفضل علاج لشفاء أوجاع البشرية المتبقية من خلال حرب طاحنة لأربع سنوات.

لكن ظلت كرة القدم “محبوبة الجماهير” في كل زمان ومكان وماتزال كذلك منذ تحولها إلى رياضة عالمية وحتى اليوم خاطفة قلب وفكر ملايين من الجماهير،

إن انجذابنا نحو شيء و تشجيعه يعني أنه يعزز داخلنا قيمة أو يعوضنا عن قيمة غائية، وهذا سبب حب الناس لكرة القدم، فهي تعزز فكرة الخلق و الإبداع في رأي البعض، و تعزز فكرة التنافس و التسامح عند البعض، وهي مثال كامل لفكرة النظام الناجح بقيمه الانضباط و التعاون و المثابرة و الاجتهاد و الكليّة؛ فالجميع مسؤولون عن الفوز في النهاية وإن كان تسجيل الأهداف فردية.

تعزيز فكرة “الانتماء” فبعض الشباب والمراهقين يفتقدون الانتماء نحو قيمة، وحب كرة القدم والهوس بها تحقق لهم هذه القيمة الغائبة.

إن حبنا لكرة القدم ينطلق من المفاهيم والقيم التي تحملها هذه الرياضة في مضمونها، وليس لشكل الرياضة ذاتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى