الاخبارية مباشرحوادث

كارثة بيئية في السودان.. “أحواض السيانيد” تقتل قطيعاً كاملاً من الضأن

الإخبارية مباشر

كارثة بيئية في السودان.. “أحواض السيانيد” تقتل قطيعاً كاملاً من الضأن

 

متابعة نجاة احمد الاسعد 

 

عاد شبح “التعدين السام” ليخيّم مجدداً على ولاية نهر النيل شمال السودان، بعدما تحولت أحواض معالجة الذهب المكشوفة إلى ما يشبه “مصائد موت” مفتوحة، إثر نفوق قطيع كامل من الضأن عقب شربه من برك يُعتقد أنها ملوثة بمادتي السيانيد والثيوريا المستخدمتين في التعدين التقليدي.

 

فقد فجر المشهد الصادم لرؤوس الضأن النافقة على أطراف الأحواض الطينية، والذي وثقته مقاطع فيديو وصور انتشرت على نطاق واسع عبر منصات التواصل، موجة غضب واسعة، وأعاد إلى الواجهة ملفاً ظل يلاحق قطاع التعدين التقليدي في السودان لسنوات: الكلفة البيئية والصحية الباهظة لاستخراج الذهب في ظل ضعف الرقابة واتساع النشاط العشوائي.

 

وفي المناطق الغنية بالمعدن النفيس، لا تبدو الأحواض الكيميائية مجرد جزء من عمليات التعدين، بل تحولت، وفق سكان محليين، إلى تهديد يومي يقترب تدريجياً من الإنسان والحيوان ومصادر المياه.

 

مياه قاتلة” تحت الشمس

وبحسب إفادات سكان في مناطق التعدين، فإن القطيع النافق شرب من أحواض مفتوحة تُستخدم في فصل الذهب، حيث تُخلط الصخور بمحاليل كيميائية شديدة السمية، قبل أن تُترك البرك المكشوفة لأيام دون حواجز أو وسائل حماية.

 

فيما قال أحد السكان لـ”العربية.نت” إن “الحيوانات تتعامل مع هذه الأحواض باعتبارها مصادر مياه عادية، خصوصاً في المناطق الجافة”، مضيفاً أن الأهالي ظلوا يطالبون منذ سنوات بردم البرك الخطرة أو إحاطتها بسياج يمنع اقتراب البشر والماشية منها.

 

وأكد ناشطون بيئيون أن الحادثة الأخيرة ليست الأولى، لكنها الأكثر صدمة بسبب حجم النفوق وطبيعة المشاهد التي أثارت فزعاً واسعاً بين السكان.

 

تحرك رسمي وتحقيقات

أما في أول تعليق رسمي، قالت الشركة السودانية للموارد المعدنية إن الواقعة حدثت داخل منطقة تشهد نشاط تعدين غير مقنن، واستخداماً لمواد كيميائية خارج الاشتراطات البيئية والفنية المعتمدة.

 

وأضافت الشركة أنها أوفدت فريقاً فنياً إلى الموقع للوقوف على ملابسات الحادثة وتقييم الأضرار المحتملة، وسط مطالب متزايدة بفتح تحقيق شامل ومحاسبة المتسببين.

 

غير أن مراقبين يرون أن الحادثة تكشف، مرة أخرى، هشاشة الرقابة البيئية على أنشطة التعدين التقليدي، في بلد يعتمد بصورة متزايدة على الذهب كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي.

 

خبير بيئي: “السم يقتل بصمت”

بدوره، قال الخبير البيئي الدكتور بشير عمر بشير عبد الرحيم لـ”العربية.نت” إن مادة السيانيد تستخدم عالمياً في استخراج الذهب بسبب قدرتها العالية على استخلاص المعدن، إذ تتراوح كفاءتها بين 60 و90 في المائة، مقارنة بالزئبق الذي لا تتجاوز كفاءته نصف تلك النسبة تقريباً.

 

لكنه حذر من أن استخدام هذه المادة في التعدين التقليدي العشوائي، ومن دون ضوابط علمية صارمة، يحول مناطق التعدين إلى “بؤر تلوث خطيرة”.

 

وأوضح أن التعرض المباشر للسيانيد، سواء عبر ملامسة البرك المكشوفة أو استنشاق الغازات المنبعثة منها، قد يؤدي إلى تسمم حاد وربما الوفاة، مشيراً إلى أن الأطفال والعاملين في التعدين الأهلي هم الأكثر عرضة للخطر بسبب غياب وسائل الوقاية.

 

فيما أضاف: “عندما يتسرب السيانيد إلى المياه، فإنه يفتك بالكائنات الحية بسرعة كبيرة، حتى عند التركيزات المنخفضة، لأنه يمنع الخلايا من امتصاص الأكسجين ويهاجم الدماغ والقلب مباشرة”.

 

غضب شعبي ومخاوف متصاعدة

مع تجدد الجدل، تصاعدت أصوات السكان والناشطين البيئيين المطالبة بوضع حد لانتشار الأحواض الكيميائية المكشوفة قرب القرى والمراعي.

 

ويقول أهالٍ في مناطق التعدين إن المخاوف لم تعد تقتصر على نفوق الحيوانات، بل امتدت إلى صحة السكان، في ظل تزايد الشكاوى من أمراض يعتقد كثيرون أنها مرتبطة بتلوث المياه والتربة.

 

بالمقابل، دعا خبراء بيئة إلى مراجعة سياسات التعدين التقليدي وتشديد الرقابة على استخدام السيانيد والثيوريا، مع إلزام الشركات والعاملين باتباع معايير السلامة البيئية المعتمدة دولياً.

كما طالب ناشطون بإغلاق الأحواض المكشوفة وردم المواقع الخطرة فوراً، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى “كارثة بيئية صامتة” تهدد الإنسان والحيوان والموارد المائية في واحدة من أهم مناطق التعدين في السودان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى