
عادات شامية ….من مدينة دير الزور عادة فن الدق
نجاة احمد الاسعد
من على ضفاف نهر الفرات، حيث الماء يروي الأرض ويغسل الذاكرة، نصل إلى مدينة عريقة تمتاز بكرمها وعاداتها الجميلة… إنها دير الزور، المدينة التي حملت في طياتها فنونًا من التراث لا تزال تحكي عن حياة الأجداد.
ومن أجمل هذه الفنون وأغربها في آنٍ واحد، فن الدق، أو ما يُعرف بالوشم، ذلك الفن الذي لم يكن مجرد زينة على الجسد، بل قصة طويلة من المعتقدات والعادات والتقاليد، ورمزًا للجمال والهوية في آنٍ معًا.

منذ قديم الزمان، عرف أهل دير الزور هذا الفن، وانتشر بينهم كما تنتشر الحكايات بين الناس. فالدق عندهم ليس مجرد خطوط مرسومة، بل له معنى ومغزى. كانت النساء يوشمن وجوههم وأيديهم وأحيانًا أقدامهم، ليزدادوا جمالًا وهيبة، وليُظهروا انتماءهم لقبائلهم وأسرهم
وكان يُعتقد أن الدق يجلب البركة والحماية، خاصة للأطفال، إذ كانت الأمهات يوشموا أطفالهم اعتقادًا أن الوشم يحفظهم من المرض والموت، ويمنحهم الصحة والعافية. وهكذا صار الدق جزءًا من الذاكرة الجماعية لأهل الفرات، يتناقلونه جيلًا بعد جيل.
ولكل موضع من الجسد وشمه الخاص، ولكل وشم اسم يعرف به بين النساء. فهناك الشعابيات والسنابل على الرقبة والصدر، ترمز إلى الخصب والأنوثة. وهناك وردة أو رثمة عند طرف الشفة، تزيد الفتاة فتنةً وجمالًا. وعلى الساق تُرسم الأمشاط والشقاليات، بينما يزين الهلال الجبين، والنقطة أو الزلف تزين الخد، وصحن الورد ووسادة ابن العم تظهر على الزند، ولكل منها حكاية خاصة وذكرى لا تُنسى.
وكانت المرأة الديرية تفخر بدقها كما تفخر بثوبها وزينتها، حتى أصبح جزءًا من طقوس الأفراح والأعراس. وقد تغنى المغنون الشعبيون بهذا الفن في أغانيهم، فقال أحدهم في وصف الدق على الوجه:
يشبه دبيب النمل على الزردوم
كلمات تصف بدقة ذلك الإحساس الذي يرافق عملية الدق، فهي مؤلمة في البداية، لكنها تترك أثرًا جميلاً لا يُنسى.
أما الرجال، فقد كان للدق عندهم طابع آخر. كان رمزًا للفخر والشجاعة والانتماء. فالرجل يوشم على ذراعه أو على زندِه رموزًا للسلاح أو الطير، وأحيانًا يكتب اسمه أو بعض الحروف من اسم حبيبته. وهناك من يوشم كلمات تعبّر عن المحبة والولاء، مثل: “رضاكي يا أمي”، أو “رضا الله ورضا الوالدين”، وأحيانًا يختارون أسماءً تدل على القوة مثل “أبو عذاب” أو “الصقر”.
لقد كان الدق عند الرجال علامة على الرجولة والفروسية، كما كان عند النساء عنوانًا للجمال والأنوثة.
وتقوم بعملية الدق عادة نساء من النور أو كما يُعرفن باسم القرباط. وهن نساء يتنقلن بين القرى في فصل الربيع حاملات أدواتهن البسيطة. يجلسن حول النساء ويبدأن العمل بمهارة وصبر.
تستخدم الواشمة سبع إبر رفيعة تُغمس في مزيج من الكحل والحليب أو الفحم والزبدة، ثم تُدق على الجلد بحركات متكررة حتى يتشرب اللون. وبعد انتهاء العملية يتورم الموضع أيامًا قليلة، ثم يشفى، ويبقى الأثر واضحًا بلونٍ أخضر غامق لا يزول مدى الحياة.
ورغم الألم، كانت النساء يقبلن عليه برضا وفرح، لأنه في نظرهن عنوان للجمال والأصالة، ودليل على النضج والأنوثة.
وللدق أنواع متعددة؛ فهناك دق الزينة، وهو الأكثر شيوعًا ويختص بالنساء لتجميل الوجه والجسد. وهناك الدق الطبي الذي يُعتقد أنه يخفف آلام الرأس أو اليد، ويُعرف أحيانًا باسم “وشم الحلابات” لأنه يُرسم حول المعصم لتخفيف ألم اليد الناتج عن حلب الماشية. أما النوع الثالث فهو وشم الحماية، وكان يُرسم عادة في أسفل القدم ليقي صاحبه من لدغات العقارب والأفاعي.
وهكذا يظل فن الدق أحد معالم التراث الشعبي في دير الزور، يعبر عن روح الناس وصدقهم، وعن علاقتهم العميقة بالأرض والحياة. هو وشم لا يزول، لا من الجسد ولا من القلب، لأنه نقش في الذاكرة قبل أن يُنقش على الجلد، وبقي شاهدًا على زمنٍ كانت فيه البساطة جمالًا، والجمال قصة تُروى للأجيال
https://www.facebook.com/share/v/19SXSTn9vr/
وهكذا ظل الدق في دير الزور شاهدًا على زمن مضى، يحمل في خطوطه قصة جمال وصبر وإيمان، ويحدثنا عن أناس أحبوا البساطة الدواء الجمال بلمسة من الكحل والحليب، نقشوا بها على أجسادهم حكاية لا يمحوها الزمن.
تابعونا على الفيس بوك
https://www.facebook.com/share/1QBkEEktRj/



