
عادات شامية ….القنيطرة قطش الردن وعقد الشليل
نجاة احمد الاسعد
حديثنا اليوم يأخذنا إلى محافظة القنيطرة، المدينة السورية الجميلة حيث للزواج هناك طعم خاص ونكهة مختلفة، تمتزج فيها التقاليد العريقة بالمفاهيم الاجتماعية الراسخة، في مجتمعٍ ريفيٍّ ما زال يحافظ على الكثير من موروثه الشعبي.

الزواج في القنيطرة حدث اجتماعي يحمل معه الكثير من الطقوس والعادات التي تعبّر عن أصالة المكان وعمق الانتماء.
من بين تلك العادات ما يُعرف باسم قطش الردن. وهي عادة قديمة جداً تعود إلى خمسينيات القرن الماضي وربما قبل ذلك. تبدأ الحكاية حين يُرزق أحد الأقارب بمولودة أنثى، فيأتي أحدهم للمباركة، فيقص قطعة صغيرة من ثوبها، ويقول أمام الحضور: “جيرناها لولدنا فلان”، أي أنها أصبحت موعودة له منذ طفولتها، ولا يحق لأحد غيره أن يتزوجها. تكبر الفتاة وهي تحمل وعداً لم تختَرْه، وزواجاً لم تعبّر عن رأيها فيه. ومع أن هذه العادة بدأت تختفي شيئاً فشيئاً، إلا أنها ما زالت حاضرة في بعض العائلات الكبيرة، شاهدةً على زمنٍ كانت فيه الكلمة أقوى من القانون، والعُرف أقوى من الإرادة.
أما العادة الثانية، فهي عقد الشليل، أو ما يُعرف بعقد الثوب. وتُستخدم هذه العادة في طلب الزواج أو في قضاء الحاجات الكبيرة التي يُرجى ألا تُرد. يجلس وليّ العريس على الأرض، وتلتصق ركبتاه بركبتي وليّ العروس، ثم يمسك بطرف ثوبه أو منديله، ويعقده عقدة يصعب حلّها قائلاً: “عقدت شليلك، وبخنتك ما تردني. أي أنه يستعطفه ألا يرفض طلبه. وبمجرد أن تُعقد هذه العقدة، يصبح من الصعب ردّ الطلب، لأن الكلمة في مجتمع البادية لها قدسيتها.
ومن المثير أن هذه العادة لا تقتصر على طلب الزواج فحسب، بل تمتد أحياناً إلى المقايضة بين العائلتين، فيُشترط أن يتزوج أخ العروس من أخت العريس أو العكس. وهنا تكمن الخطورة، لأن أي خلاف بين أحد الزوجين ينعكس على الآخر، فيتأثر بيتان بخلافٍ واحد، وتتوتر العلاقات بين العائلتين.
وفي القنيطرة أيضاً، ما يزال الاعتقاد سائداً بأن ابن العم أولى ببنت عمه من أي غريب، وتقال في ذلك عبارة مأثورة: “هو ابن عمها بينزلها عن ظهر الفرس.” إشارة إلى أنه الأجدر والأحق بها مهما تعددت الخطّاب. وغالباً ما تُمنح الفتاة مهلة قصيرة في حال تقدّم لها رجل غريب، ليسأل الأهل أبناء العمومة إن كانوا يرغبون بالزواج منها. وفي أغلب الأحيان لا يُؤخذ برأي الفتاة، لأن القرار يكون للعائلة، لا للقلب. هذه العادة، وإن كانت تحمل نية طيبة في ظاهرها للحفاظ على روابط الدم، إلا أنها في حقيقتها تحرم كثيراً من الفتيات من حقّ الاختيار، وتحوّل الزواج إلى قرار قبلي أكثر منه إنساني.
تلك العادات الثلاث تعكس جانباً من المجتمع القنيطري، المجتمع الذي تحكمه القرابة والعرف، حيث تسود الثقة والكلمة، لكن في المقابل تُقيَّد حرية الفرد، وخصوصاً حرية المرأة.
ومع مرور الوقت، بدأت هذه العادات تتراجع مع ازدياد الوعي والتعليم، ومع خروج الفتيات إلى المدارس والجامعات، واحتكاك الأجيال الجديدة بعوالم أوسع من قريتها الصغيرة.
https://www.facebook.com/share/v/1AkjX11i14/
إن الحديث عن الزواج في القنيطرة ليس مجرد حديث عن طقس اجتماعي، بل هو رحلة في الزمن، نرى من خلالها كيف يتغير الإنسان، وكيف يحاول أن يوازن بين أصالة الماضي ومتطلبات الحاضر. فبعض التقاليد تحمل في طيّاتها معاني الكرم والوفاء، وبعضها الآخر يحتاج إلى مراجعة حتى ينسجم مع قيم العدالة والحرية التي نعيشها اليوم.
تابعونا على الفيس بوك



