الاخبارية مباشرثقافة ومنوعات

صرح في علم الألبانيات: حياة الأكاديمي إدريس آييتي وإرثه الفكري

صرح في علم الألبانيات: حياة الأكاديمي إدريس آييتي وإرثه الفكري

 

بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

E-mail: albapres@hotmail.com

 

ملخص

يتناول هذا المقال الملف المتعدد الجوانب للأكاديمي إدريس آييتي (1917-2019)، الذي يعد أحد الشخصيات المركزية في العلم والتعليم في كوسوفا. من خلال تحليل تاريخي لنشاطه، تسلط الدراسة الضوء على مساهماته في ثلاثة مستويات: العلمي (علم اللهجات وتاريخ اللغة)، والمؤسسي (تأسيس الأقسام والمعاهد)، والوطني (توحيد اللغة الأدبية). وبالاعتماد على المصادر الأرشيفية ودراسات المؤلف السابقة، يقيم هذا المقال تأثير آييتي في الدبلوماسية الثقافية وفي التأكيد الدولي لعلوم الألبانيات.

1. مقدمة: قرن في خدمة العلم

في سجلات التاريخ الفكري لكوسوفا، يظل اسم البروفيسور الدكتور إدريس آييتي حجر زاوية. ولد آييتي في فترة من التحولات السياسية الكبرى في “توبالا” بيابلانيكا (1917)، وعاش قرناً كاملاً، ليصبح شاهداً وبطلاً للنهضة التعليمية والعلمية للألبان في يوغوسلافيا السابقة. وكما أكدتُ في مقالي عام 2003 بالقاهرة، لم يكن آييتي مجرد أكاديمي؛ بل كان صاحب رؤية أدرك أن بقاء الشعب يعتمد على استقرار لغته ومؤسساته.

2. التكوين الأكاديمي: من زغرب إلى بلغراد

يعكس مساره التعليمي عطشاً للمعرفة في ظروف كانت معادية في كثير من الأحيان. أكمل دراسته الثانوية في سكوبيه (1938) والتحق بكلية الفلسفة في جامعة زغرب، مما شكل بداية مسيرة مهنية امتزجت فيها الدراسات الرومانية بالألبانية. أوقفت الحرب العالمية الثانية دراسته، لكنها لم تطفئ عزيمته؛ فأكملها في بلغراد عام 1949، ليصبح من أوائل الكوادر المتخصصة التي تحملت عبء تعليم الأجيال الجديدة في كوسوفا.

3. المساهمة العلمية: ثلاثة محاور للبحث

يمكن تصنيف النشاط البحثي لإدريس آييتي في ثلاث ركائز أساسية أعادت أبعاد علم الألبانيات:

• علم اللهجات التاريخي: تظل أطروحته للدكتوراة عام 1958 حول “التطور التاريخي للهجة الغيغية لألبان زارا في دالماسيا” نموذجاً منهجياً، حيث حلل كيف يحافظ جيب لغوي على عناصر عتيقة.

• فقه الوثائق القديمة: ركز آييتي بشكل مكثف على الوثائق المكتوبة بالأبجدية العربية-التركية (مثل وثائق طاهر أفندي بوشنياكو)، وهو عمل حيوي لإثبات الاستمرارية الثقافية الألبانية.

• الدراسات البلقانية والاتصالات اللغوية: بفضل إتقانه للغات السلافية، عالج بروح علمية العلاقات الألبانية-الصربية، محارباً الأساطير السياسية بالحقائق اللغوية.

4. مهندس المؤسسات

تجاوز تأثير آييتي الكتب؛ فقد كان “باني” بيت المعرفة في كوسوفا. وبمبادرة منه أُسست:

• مجلة أبحاث ألبانيةعام 1962.

• ندوة الثقافة الألبانية للأجانب (1974): منصة استثنائية للدبلوماسية الثقافية جذبت علماء الألبانيات من العالم إلى بريشتينا.

• جامعة بريشتينا: بصفته رئيساً لها (1973-1975) وعميداً، وضع المعايير الأكاديمية التي نافست المراكز الأوروبية.

5. دور في توحيد اللغة: مؤتمر الإملاء (1972)

ربما كانت أعظم مساهمة “سياسية” ووطنية لآييتي هي رؤيته للغة أدبية موحدة. كان المبادر لـ “مشاورة بريشتينا اللغوية” (1968)، حيث تقرر اعتماد معيار لغوي موحد للألبان في يوغوسلافيا، وهي خطوة دبلوماسية بارعة وحدت الألبان وطنياً عبر الحروف.

6. البيبليوغرافيا كدليل على محو الجهل

قائمة أعماله، من “مقدمة في تاريخ اللغة الألبانية” (1963) إلى “الأعمال الكاملة” الصادرة عن أكاديمية العلوم، تشكل موسوعة حية غطت كل فجوة تعليمية لدى شعبه.

7. إرث للأجيال القادمة

أغمض الأكاديمي إدريس آييتي عينيه عن عمر يناهز 102 عاماً، تاركاً وراءه كوسوفا بأكاديمية وجامعة ولغة راسخة. وكما كتبت في مقالي عام 2003، فقد تفوق على الجهود السطحية للزملاء الأجانب لأنه عرف اللغة من الداخل، كروح وهيكل.

إدريس آييتي: مهندس علوم الألبانيات ورائد الفكر الثقافي في كوسوفا

أولاً: تتبع الجذور: دراسة حول ألبان زارا

تعد أطروحته للدكتوراة عام 1958 أهم مساهماته العلمية، حيث كانت بمثابة مهمة لإنقاذ “جزيرة” لغوية من النسيان. أثبت آييتي من خلالها أن اللغة الألبانية تمتلك بنية داخلية قوية جداً تمكنها من مقاومة قرون من العزلة.

ثانياً: قيادة الأكاديمية: الدرع الفكري لكوسوفا

وصل آييتي إلى ذروة سلطته المؤسسية بانتخابه رئيساً لأكاديمية العلوم والفنون في كوسوفا (ASHAK) في فترتين حرجتين: 1979–1981 و1996–1999. خلال الفترة الثانية، حول الأكاديمية إلى قلعة للمقاومة السلمية والعلمية ضد القمع.

ثالثاً: مشاورة بريشتينا اللغوية (1968): فعل الوحدة الوطنية

دافع آييتي عن فكرة أن الأمة تحتاج إلى لغة واحدة، مما منع خلق “لغة ألبانية يوغوسلافية” وصهر الوحدة الروحية للأمة.

رابعاً: الإرث الفكري والدبلوماسي

كان آييتي أول من عالج الوثائق الألبانية القديمة المكتوبة بالأبجدية الشرقية. وكان مصححاً دؤوباً لأخطاء علماء الألبانيات الأجانب، مرشداً إياهم بحكمة إلى النتائج الصحيحة.

ملخص المساهمات الرئيسية:

• اللغويات: توحيد اللغة الألبانية وعلم اللهجات التاريخي.

• التعليم: مؤسس قسم الألبانيات ورئيس جامعة بريشتينا.

• المؤسسات: مدير المعهد الألباني ورئيس أكاديمية العلوم (ASHAK).

• الدبلوماسية: تقديم علوم الألبانيات في المراكز العالمية (فيينا، برلين، أنقرة).

حكم ومأثورات الأكاديمي إدريس آييتي: فلسفة حياة في خدمة العلم

تعكس أقواله توازناً فريداً بين الباحث الدقيق والمثقف الرؤيوي:

1. عن اللغة الموحدة: “اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي جوهر الأمة. بدون لغة موحدة نعيش كجزر معزولة؛ وبها نحن قارة روحية لا تقهر.”

2. عن المنهج العلمي: “العلم لا يقبل الطرق المختصرة. كل كلمة تحمل في طياتها قروناً من التاريخ تنتظر من يفك شفرتها بصبر وتواضع.”

3. عن الأصالة والإرث: “آثار الألبانية في البلقان هي صكوك ملكية حية لأصالتنا. لا نحتاج لاختراع التاريخ، بل قراءته بشكل صحيح.”

4. عن مهمة المثقف: “للمثقف واجب مزدوج: تنوير العقول بالعلم، وحماية كرامة شعبه عندما تحاول الظروف السياسية طمسها.”

5. عن ألبان زارا: “علمونا أن اللغة الأم يمكن أن تبقى حية حتى تحت الحصار الكامل إذا حُفظت كأغلى ما نملك.”

تأملات حول عملاق: ماذا يقول البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي عن إدريس آييتي؟

يصور البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي الأكاديمي آييتي بأنه “مؤسسة في رجل”:

• “الفرق بين آييتي والباحثين الأجانب هو عمق النفاذ؛ هو يشرح اللغة كروح وتاريخ لا كهيكل فقط.”

• “كان آييتي الرائد الذي فتح طرق الثقافة والضياء لأجيال كاملة من المثقفين.”

• “رؤيته للغة الموحدة كانت فعلاً دبلوماسياً وطنياً رفيعاً.”

• “اسم إدريس آييتي هو جواز سفرنا العلمي إلى العالم.”

الخاتمة: صرح حي للنهضة الفكرية الثانية

لا يقاس إرث إدريس آييتي بعدد الصفحات، بل بتأثيره في خمسة مستويات: العلمية، الثقافية، المؤسسية، والسياسية-الدبلوماسية. لقد حول الألبانيات من علم وصفي إلى علم مقارن حديث، وبنى الجسر الروحي الأقوى بين ألبان كوسوفا والجذع الأم.

أغلق إدريس آييتي قرنه من الحياة تاركاً لنا أمانة واضحة: أن حرية الشعب تبدأ من حرية الكلمة ونزاهة العلم. يظل “الرائد” الأبدي الذي علمنا كيف نكون أوروبيين من خلال الحفاظ على جذورنا. إن مقال البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، الذي نُشر في قلب الشرق الأوسط، يظل شهادة على أن إشعاع آييتي تجاوز حدود البلقان ليصبح جزءاً من الإرث الإنساني العالمي.

كاتب الدراسة: 

السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية

عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر

عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر

E-mail: albapres@hotmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى