ثقافة ومنوعات

رمضان بين الدين والثقافة

رمضان بين الدين والثقافة

بقلم: سهام حسين القحطاني

يظل شهر رمضان شهر مختلف،هذا الاختلاف على المستوى الديني خلق له بعدا جديدا على المستوى الثقافي.
يتميز رمضان بوحدة الفعل و وحدة الشعائر ،فجميع المسلمين يصومون في وقت واحد و يفطرون في وقت واحد ولا أقصد بوحدة الوقت الساعة بل الليل و النهار،فجميع المسلمين يصرف النظر عن اختلاف الساعة يصومون بالنهار و يفطرون بالليل،ثم تأتي صلاة التراويح و التهجد في ليلة القدر و ختم القرآن و الحرص على أداء فريضة العمر، فكل هذه الشعائر يتساوى فيها كل المسلمين في كل العالم،ومن هنا يتجلى المفهوم الحقيقي لوحدة المسلمين في هذا الشهر ،فعندما ترفع الأكف ضارعة و الألسنة متلألئة بذكر الله و الدعاء و الابتهالات يسكت كل ما في الكون احتراما لهذه الابتهالات التي ترفع إلى السماء،شعور يجدد طهارة النفس و الفعل و القول.
شهر الخير و العطاء هكذا تُرمز الهوية الوصفية لشهر رمضان التي تندمج مع وجدان المسلم فتنعكس على سلوكه فتجده معطاء كريما ناشرا للخير،وكأن ذاته في هذا الشهر تتطهر من الأنانية لتتوحد وجدانيا مع الآخرين،فترى الحشود في كل مكان توزع الطعام و الشراب على الصائمين هنا و هناك ،منظر يفوح بطيب البركة و المحبة.
ومع تتطور المسلمين تحول رمضان إلى “ثقافة في ذاته” تدعم مبادئه السامية وفضائل أفعاله وأقواله.
ما يميز رمضان عن بقية الشهور تجلي روح الجماعة فهم يجتمعون لرؤية الهلال أولا ثم صلاة التراويح وصلاة التهجد، هذا التجمع خلق نوع من المظاهر الثقافية.
ولعل أبرز المظاهر الثقافية التي ارتبطت برمضان الهوية البصرية لرمضان التي بدأت مع العصر الفاطمي وماتزال حتى اليوم.
ومن أبرزها “اللون الأحمر” الذي ينتشر على المطاعم ومفارش الطعام و تكتسي بها الفوانيس و الصحون،و أصل القماش الخاص برمضان مختلف عليه فهناك من يرى أنه ارتبط بالمصريين و هناك من يرى أنه ارتبط بالعثمانيين، وكانت المنطقة الغربية في السعودية خاصة جدة القديمة أول منطقة عرفت هذا النوع من القماش في المملكة إذا كان يأتي مع القوافل القادمة من الدولة العثمانية.
أما القناديل “الفوانيس” فيقال أن الخليفة “عمر بن الخطاب رضي الله عنه” أول من علق القناديل في المساجد ليسهل على الناس الصلاة،ثم استخدمها الفاطميون لإضاءة المساجد، كما استخدموا تعليقات الزينة التي كان تزين المساجد
وكان “الحكواتي” من أهم المظاهر الثقافية في رمضان وخاصة في الأحياء الشعبية فبعد صلاة العشاء أو التراويح يبدأ في سرد الملاحم الحماسية بطريقة سردية تجذب السامعين و تجعلهم يتفاعلون معه وكان هو “المؤلف و المخرج و الممثل معا”،ومن هنا جاءت فكرة مسلسلات رمضان تكرار لرمزية الحكواتي.
ولا ننسى المسحراتي إذ كان جزءا من الطقوس الثقافية لهذا الشهر وكان له شكل خاص فهو لا يظهر إلا قبل الفجر يحمل طبلة و عصا صغيرة يلف الأحياء يوقظ الناس من نومهم للسحور فهو بمثابة “ساعة لا تٌخطى عقاربها” و عبارته التي أصبحت أيقونة تاريخية ارتبطت به و التي تختلف حينا من بلد إلى آخر،فجدة القديمة كان المسحراتي يقول “اصحى يا نائم وحد الدايم ربي قدرنا على الصيام”.
أما “مدفع رمضان” فهو الخطأ الذي صنع تاريخا، يقال أن الخليفة المملوكي “خوشقدم” كان يجرب مدفعا فانطلقت منه قذيفة وقت الغروب فظن الناس أنها إشارة إلى الإفطار و يقال هذا الأمر حدث في عهد الخديوي إسماعيل بنفس السردية،لكن ما يهم إن هذا الخطأ شكل إحدى أهم الموروثات الثقافية في رمضان.
ولم تقتصر الهوية الثقافية لرمضان على الشكل بل امتدت إلى الأدب وخاصة الشعر من خلال الابتهالات و التواشيح التي ارتبطت بهذا الشهر الكريم.”رمضان أشرق..فالدنا تتطلع..ظمئا لنور من كتابك يسطع..ايقظت قلبي فاستفاق ميمما..شطر الهدى يرنو إليك و يسمع”-نصر الدين طوبار-
ورمضان كريم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى