
خلف موائد الإفطار… بطلات لا يراهنّ أحد..
كتبت: زينب النجار…
في رمضان، لا تصوم الأمهات عن الطعام والشراب فقط، بل يصمن عن التعب، وعن الشكوى، وعن الرغبة في الراحة أحيانًا؛ يصمن وهنّ يحملن يومًا كاملًا فوق أكتافهن، كأن الصبر خُلِق لهن خَلقًا خاصًا.
تبدأ الأم صيامها قبل أذان الفجر بوقتٍ طويل؛ تستيقظ لتوقظ الجميع، تُعدّ السحور، وتطمئن أن كل فردٍ في البيت قد أكل وشبع، ثم تبدأ يومها الطويل بينما لم تبدأ راحتها بعد
تصوم بين مسؤولياتٍ لا تنتهي: بيتٌ يحتاج ترتيبًا، وأطفالٌ يحتاجون رعاية، ومواعيد مدارس، وواجبات تُراجع، وقلوب صغيرة تنتظر منها الحنان قبل أي شئ.
تصوم الأم وهي تداوي التعب بإبتسامة، وتخفي إرهاقها خلف دعاءٍ صامت: «اللهم أعنّي»
تمر ساعات النهار بينها وبين مشاوير لا تنتهي، وعيادات، وقضاء مصالح الأسرة، وصلة رحمٍ لا تنقطع؛ فهي القلب الذي يحافظ على دفء العائلة مهما اشتدّ التعب.
أما الأم العاملة، فحكايتها في رمضان بطولة يومية لا تُروى كثيرًا ؛ تصوم وهي تخرج إلى عملها منذ الصباح، تواجه ضغط العمل، وزحام الطرق، وإرهاق الصيام، ثم تعود لا لتستريح، بل لتبدأ دوامًا آخر داخل بيتها.
بين إعداد الطعام، وترتيب المنزل، ومتابعة الأبناء ودروسهم، تصبح ساعاتها سباقًا مع الوقت، بينما يظل صبرها الوقود الحقيقي الذي يمنح البيت الحياة.
هي تصوم بجسدٍ مُرهق، لكنها تُفطر بقلبٍ ممتلئ بالرضا حين ترى أسرتها مجتمعة حول المائدة ؛ قد لا يسمع أحد صوت تعبها، لكن الله يسمع، وقد لا يرى الناس حجم جهدها، لكن الأجر عند الله لا يضيع.
كم من أمٍّ أفطرت قبل أن تجلس، لأنها كانت تُقدّم الطعام للجميع أولًا، وكم من امرأةٍ أخّرت راحتها لتصنع لحظة دفء لأسرتها ؛ هؤلاء لا يصنعن فقط وجبة إفطار… بل يصنعن ذكريات، وطمأنينة، وبيوتًا عامرة بالمحبة.
رمضان بالنسبة لهن ليس عبادةً واحدة، بل عباداتٍ متتالية:
صيام، وخدمة، وصبر، ورحمة، وأحتساب لكل تعبٍ عند الله.
كل خطوةٍ تمشينها، وكل لقمةٍ تعدينها، وكل لحظة صبرٍ تعيشينها… هي عبادة تُكتب في ميزانك دون أن تشعري.
وفي نهاية يومٍ طويل، حين يهدأ البيت بعد الإفطار، وتغفو العيون مطمئنة، تبقى هي وحدها تجمع ما تبقّى من التعب، وتخبّئه داخل قلبٍ أعتاد العطاء دون إنتظار مقابل.
قد لا تُقال لها كلمات الشكر كل يوم، وقد يمر جهدها كأنه أمرٌ عادي، لكن الله يرى كل لحظة صبر، وكل تعبٍ احتسبته حبًا ورحمة.
إلى كل أمٍّ، وإلى كل امرأةٍ صائمة صابرة، تحمل بيتها على كتفيها وقلبها ممتلئ بالإيمان… أنتِ لستِ فقط سبب دفء هذا العالم، بل أنتِ قصة عطاءٍ لا تنتهي ؛ يكفيكِ أن مكانتكِ عظيمة عند الله، وأنكِ تستحقين أعظم الجزاء؛ فقد جعل الله الجنة أقرب إليكِ، وجعل رضاكِ طريقًا إليها… فحقًا، الجنة تحت أقدامكِ، لأنكِ كنتِ دائمًا الأرض التي ينبت فوقها الحب والحياة.



