
.حبُّ مكة… حين يصبح الشوق عبادة
بقلم: محمد أحمد أحمري
ليست مكة مدينةً تُزار فحسب، بل شعورٌ يُسكن القلب، وحنينٌ لا يهدأ مهما ابتعدت المسافات. هي المكان الذي لا يشبهه مكان، حيث تتلاقى الأرض بالسماء، وتتشابك الروح مع الدعاء، ويشعر الإنسان أنه أقرب ما يكون إلى ذاته وإلى ربه.
حب مكة ليس وليد لحظة، بل فطرة متجذّرة في أعماق المسلمين. فمنذ أن تطأ القدم أرضها، يشعر الزائر بهيبة مختلفة، وسكينة لا توصف، وكأن القلب يعرف الطريق قبل الجسد. في أزقتها تاريخ الأنبياء، وعلى جبالها صدى الدعوات الأولى، وفي هوائها عبق الإيمان الممتد عبر القرون.
في مكة، تتساوى القلوب مهما اختلفت الألوان واللغات. ترى الحاج والمعتمر وقد جمعهما هدف واحد: الطواف حول بيتٍ عتيق، هو قبلة الدنيا، ومهوى الأفئدة. هناك، يذوب الشعور بالغربة، ويصبح الإنسان جزءًا من مشهد إنساني مهيب، عنوانه الخضوع لله والمحبة الخالصة له.
حب مكة لا يرتبط بالمكان فقط، بل بالمعنى. فهي مدرسة للصبر، وميدان للتواضع، ومنبع للطمأنينة. من وقف في ساحات الحرم، ورفع يديه بالدعاء، أدرك أن مكة تعلّم الإنسان كيف يخفّ حمله، وكيف يترك همومه عند أعتاب الكعبة، ويعود بقلبٍ أكثر صفاءً وإيمانًا.
وما إن يغادرها الزائر، حتى يبدأ الشوق من جديد. يشتاق لصوت الأذان، ولمشهد الطواف، وللدموع التي تنساب دون استئذان. كأن مكة لا تودّع أبناءها، بل تزرع فيهم وعدًا بالعودة، وحنينًا دائمًا لا يخبو.
مكة ليست ذكرى عابرة، بل حبٌّ مستمر، ودعاءٌ لا ينقطع، وشوقٌ يتجدّد مع كل صلاة. هي المدينة التي إذا أحببتها، أحببت معها الطمأنينة، وإذا اشتقت إليها، اشتقت إلى السلام الداخلي. وفي النهاية، يبقى حب مكة نعمة، ومنحة ربانية، لا يعرف قيمتها إلا من ذاقها بقلبه قبل خطواته.



