
«ثلاثة أزمنة… حين كان القلب دليلاً، وكانت الحياة أبسط من أن تُنسى»
بقلم: محمد أحمد أحمري
في كل مرة نغلق أعيننا ونترك الذاكرة تقودنا، نجد أنفسنا عائدين إلى زمنٍ لا تسكنه الساعات ولا تقيّده التواريخ، زمنٍ كانت فيه الحياة تُعاش بالقلب قبل العقل، وبالروح قبل الضجيج. هناك، تتقاطع ثلاثة أزمنة: زمن جدّتي، وزمن أمّي، وزمننا نحن… وكل زمن يحمل حكاية، وكل حكاية تحمل دمعة فرح لا تشبه غيرها.
زمن جدّتي…
كان الزمن يمشي على مهل، كأنه يحترم الناس فلا يستعجلهم. البيوت متواضعة، لكن القلوب عامرة، والأبواب لا تُغلق إلا مع النوم. كانت جدّتي تعرف الجيران واحدًا واحدًا، وتحفظ أصواتهم وخطواتهم، وتعرف من وقع صوته إن كان حزينًا أو فرحًا.
الخبز يُعجن باليد، والحكايات تُروى عند الغروب، والضحكة تخرج صافية بلا حساب. لم يكن هناك الكثير من الأشياء، لكن كان هناك الكثير من المعاني. كان الفرح بسيطًا حدّ البكاء، وكان الحزن يُحتوى بالدعاء والصبر، لا بالشكاوى.
زمن أمّي…
زمنٌ يقف في المنتصف، بين البساطة والتغيّر. دخلت الكهرباء، وتغيّرت بعض الملامح، لكن الروح بقيت دافئة. أمّي عرفت التعب مبكرًا، وعرفت المسؤولية وهي صغيرة، لكنها لم تعرف الشكوى.
كانت الأم مدرسة صامتة، تعلّم بالفعل لا بالكلام، وتربّي بالاحتواء قبل التوجيه. في زمنها، كانت الأحلام أكبر، والطموح أوضح، لكن الروابط ما زالت متينة. كانت العائلة تجتمع، والضحكة تُشارك، والحزن لا يُخفى بل يُقسم ليخفّ.
زمننا اليوم…
زمن السرعة، زمن الشاشات، زمن كل شيء متاح إلا الطمأنينة. نملك الكثير، لكننا نفتقد ذلك الدفء القديم. نلتقي كثيرًا ونشعر بالوحدة أكثر، نضحك كثيرًا ونبكي بصمت.
صرنا نحسب الوقت بالدقائق، وننسى أن بعض اللحظات لا تُقاس إلا بالقلب. نفتقد جلسة بلا هواتف، وضحكة بلا تصوير، وحديثًا لا يُكتب بل يُحسّ.
وحين نقارن، لا لنجلد الحاضر ولا نمجّد الماضي فقط، ندرك أن الجمال الحقيقي كان في الإنسان، في صدقه، في بساطته، في حضوره الكامل مع من يحب.
نشتاق لذلك الزمن لا لأن كل شيء كان أفضل، بل لأن القلوب كانت أقرب، والنفوس أصفى، والفرح أقل تكلفة وأكثر صدقًا.
هذه ليست مجرد ذكريات…
هذه دعوة أن نعيد شيئًا من ذلك الزمن إلى أيامنا، أن نبطئ قليلًا، أن نحب أكثر، وأن نترك لأبنائنا ذكريات يبكون فرحًا حين يتذكّرونها، كما نفعل نحن الآن.
التعليق والمشاركة عبر صفحة الفيسبوك



