
بين المودة والعدل … هكذا رسم القرآن العلاقة…
كتبت: زينب النجار…
في كثير من القضايا الإنسانية يكثر الجدل، وتتعدد الآراء والأجتهادات، ويظن البعض أن الحقيقة تُصنع بكثرة الكلام؛ لكن حين نتأمل العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام، نجد أن الله سبحانه وتعالى لم يتركها لأجتهادات البشر ولا لأختلاف الأهواء، بل وضع لها ميزانًا واضحًا في كتابه الكريم، ميزانًا يقوم على العدل والرحمة والإنسانية.
فالقرآن لم يتحدث عن هذه العلاقة بأعتبارها صراعًا أو منافسة، ولم يصورها على أنها معركة بين طرفين، بل رسم لها إطارًا إنسانيًا راقيًا يحفظ الكرامة ويصون الحقوق.
قال تعالى: “وعاشروهن بالمعروف”، وهي كلمة جامعة تختصر معنى الإحترام والتقدير وحسن المعاملة.
وقال أيضا: “ولا تنسوا الفضل بينكم”، ليذكّرنا أن العلاقات الإنسانية لا تقوم فقط على الحقوق، بل على الفضل والإحسان والتسامح.
كما يؤكد القرآن على عدم الظلم أو التسلط، فيقول سبحانه: “فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا”،
ويضع مبدأ الإحسان قاعدة عامة للحياة كلها حين قال: “وأحسن كما أحسن الله إليك”. ثم يبين جوهر العلاقة الزوجية حين قال: “وجعل بينكم مودة ورحمة”، فالمودة هي الحب الذي يظهر في الأفعال، والرحمة هي العطف الذي يداوي قسوة الحياة.
ولم يغفل القرآن كذلك جانب المسؤولية، فحمّل الرجل مسؤولية النفقة والرعاية، فقال تعالى: “وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف”، في تأكيد واضح على أن العلاقة ليست مجرد مشاعر، بل منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات.
بل إن القرآن أشار إلى طبيعة المرأة نفسها، حين قال: “أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين”، في وصف يعكس رقتها وطبيعتها المختلفة، وهي طبيعة تستدعي الفهم والرفق لا القسوة والجدال.
وهنا يبرز السؤال: بعد كل هذا البيان الإلهي الواضح، كيف لا يزال البعض يتحدث وكأن العلاقة بين الرجل والمرأة ساحة صراع؟
وكيف يسمح إنسان لنفسه أن يظلم أو يقلل أو يتجبر، بينما الميزان الذي وضعه الله قائم على العدل والإحسان؟
وزاد الأمر تعقيدًا حين تتحول الخلافات أحيانًا إلى ساحة يتدخل فيها المحيطون، فينحاز كل طرف من الأسرة دفاعًا عن الرجل أو المرأة، ويحاول فرض رأيه بأعتباره الحقيقة الكاملة.
ومع هذا الضجيج قد تضيع الحكمة، بينما الأصل أن تبقى العلاقة في إطارها الذي رسمه الله: مودة ورحمة لا صراعًا وانتصارًا للرأي.
إن الحكم حين يكون كلام الله، فلا رأي يعلو عليه، ولا جدال يسبقه.
فالقرآن لم يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة صراعًا أو غلبة، بل جعلها مودة ورحمة وعدلًا وإحسانًا؛ ومن أبتعد عن هذا المعنى، لم يبتعد فقط عن فهم العلاقة، بل أبتعد في الحقيقة عن ميزان الله نفسه.
وفي النهاية تبقى الحقيقة بسيطة وواضحة: حين نعود إلى القرآن، نجد أن الله وضع أساس العلاقة بين الرجل والمرأة على القيم التي تحفظ كرامة الإنسان وتبني الأسرة والمجتمع ؛ فليست المشكلة في النصوص، بل أحيانًا في الفهم أو في الإبتعاد عن روحها.
وإذا أردنا أن تستقيم حياتنا، فليس أمامنا إلا أن نعود إلى ذلك الميزان الإلهي الذي لا يظلم أحدًا، ولا يضيع حقًا، ويجعل من العلاقة بين الرجل والمرأة سكنًا ورحمة لا صراعًا وخصامًا.



