الاخبارية مباشرثقافة ومنوعات

الشر الجدلية الضبابية

الشر الجدلية الضبابية

بقلم: سهام حسين القحطاني

إن ثنائية الخير و الشر من أكثر الثنائيات جدلية في التاريخ الإنسان، ولعل الشر حظي بنصيب الأسد؛ كونه الاستثناء لا الأصل، على مستوى الجوهر، وكون ما يمثل جوهرا على مستوى الأثر وهو ما حوله إلى جدلية ضبابية و الاستثناء ليس بالضرورة يعني ما هو الأفضل كما هو شائع في الذهن الجمعي بل ما هو خارج عن حكم الطبيعي ولذا يظل ما هو استثناء محاطا بالضوء و الجذب أكثر من الأصل؛لأنه أصل الصراع و التغير ،أي الصخرة التي تٌلقى في المياه الراكدة فتحولها إلى فيضان يجدد قشرة الأرض، وهذا ما جعل الفلاسفة يهتمون به كونه المصدر لفعل في حين أنه لا يمثل جوهرا، فليس هناك شرير بالفطرة كما ذهب فرويد.

 

وتتفق الفلسفات على أن الشر موجود بالفعل لا جوهر وهو صفة لفعل منسوب لحاصله، لذا عرفه المعتزلة بأنه “الضرر القبيح وما يؤدي إليه”

 

أما ابن سيناء فقد قسم الشر إلى قسمين “شر بالذات هو ما يتعلق بالطبع” وشر بالعرض وهو ما يتعلق بالأشياء”.

 

لكن معضلة مفهوم الشر ما يعتقده الفرد أو الجماعة نحو تصنيف الفعل و صفة أثره،ولذا فلا اتفاق بالإجماع على ماهية الشر على مستوى معيار التصنيف و صفة الأثر.

 

فهل الشر هو ذاته شر في كل زمان ومكان؟ يذهب المبدأ الحدسي بأن قوانين الخير والشر ثابتة و”مطلقة من قيود الزمان والمكان”، في حين يرى المذهب التجريبي أن تحديد ماهو شر هي مؤشرات لوضعية اصطلح عليها الناس وليس “مطلقا من قيود الزمان والمكان”، وهو رأي متأثر بالنسبية وهنا يرتبط مفهوم الشعر بحاصله لا بالفعل في ذاته فكل ما يولد الألم من فعل لأخر على غير هو شر، وبذلك فقد يكون ذات الفعل مولدا لألم عند ذات دون ذات. وهو قول أقرب إلى قول الأشاعرة في قضية الخير والشر إن مقياس الشر لا يقوم على طبيعة الفعل بل في حاصله.

 

أما من حيث علم النفس فإن جون لوك يرى إن الانسان يولد صفحة بيضاء و المجتمع هو الذي يشكل أفكاره و سلوكه، وبذلك فالشر ليس بأصل في تكوينه

 

أما فرويد فيرى أن الإنسان يملك دوافعا عدوانية كامنة لكن الحضارة هي التي تهذبه، وهذا الرأي غير صحيح فكلما ترقى الإنسان أصبح أكثر شرا بطريقة قد لا تبدو في ظاهرها شرا.

في رواية البؤساء حبس “جان فالجان” 19 سنة لأنه سرق رغيف خبز لإنقاذ عائلته من موت الجوع، فالسرقة شر في القانون لكنها تعد حينا رحمة في القيم الإنسانية.

 

وفي اسطورة شمشون الجبار خيانة دليلة هي ولاء لقومها وهدم شمشون المعبد عليه وعلى أعدائه عدالة للاقتصاص من أعدائه لكنه في المقابل شر يتمثل في جريمة قتل.

فالشر رؤية وليس عقيدة لا تدخل في باب الصالح والفاسد، وإن الشر قوة في ذاته لا يقيده الأثر إلا بغاية لا بقيمة.

عندما يسرق الضعيف ليحمي نفسه من الهلاك فهو يقتبس من تلك السرقة قوة بمعنى ما، وعندما يسرق من الأغنياء من أجل الفقراء كما في أسطورة “روبن هود” فالسرقة هنا ليست فعلا شريرا بل هي إعادة العدالة الاجتماعية ؛ أي اكتساب مصدر لقوة بمعنى ما، فثمة استعارة مكنية تحول حينا الفعل الشرير إلى فعل خير وفق نية الغاية و تكسب صاحبة قوة بمعنى ما.

وفي العصر الحديث أعيد تدوير مفهوم الشر بالمفهوم الحضاري، فالشر الذي يرتبط بالقوة ليس بشر كما ذهب “فريدريك نيتشه” ونظريته هذه هي التي خلقت فكرة “الإنسان الأعلى” الذي لا يتبع المنظومة الأخلاقية لمن قبله بل يصنع هو منظومته الأخلاقية الخاصة به من منطلق إرادة القوة.

تذهب رواية “الدكتور جيكل و السيد هايد” لروبرت ستيفنسون” أن داخل كل منّا جانبين الخير و الشر” الخير الذي يرمز إليه الدكتور جيكل العاقل الذي يقترن وجوده بالنهار وهي رمزية وجودية في ذاتها،و مستر هايد الذي يرتبط ظهوره بالليل بالظلمة وهي رمزية وجودية في ذاتها ، وكأن الشر يختبئ في القاع المظلمة لأنفسنا و اللاوعينا، وهذا التحدي الحقيقي لإرادة القوة للنفس الإنسانية” في اختبار الاختيار “فألهمها فجورها وتقواها”-الشمس-8-.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى