ثقافة ومنوعات

الرحلات الروحية “العين الثالثة”

الرحلات الروحية “العين الثالثة”

 بقلم: سهام حسين القحطاني

“قال إني ذاهب إلى ربي سيهدين”-الصافات 99-

ولعلنا نعتبر أن إبراهيم عليه السلام هو أول من قام برحلة روحية لاكتشاف الحق والبقين.

فعندما نبحث في ثقافة الشعوب سواء ما قبل الأديان أو بعد ظهور الأديان، سنجد أن تلك الثقافات زاخرة بالرحلات الروحية وإن اختلفت مقاصدها، لكنها كانت تسعى إلى اكتساب العين الثالثة لروح الإنسان؛ عين المعرفة المطلقة سواء في دلالة اليقين أو الحكمة.

فكانت الكهوف في العصر الحجري مزارا للرحلات الروحية؛ فقد اعتبرها الإنسان في ذلك العصر بوابة لعوالم أخرى ومصدر قوى خارقة فقدم لها القرابين طلبا للحماية والخصوبة.

وبعد ظهور الحضارات وبناء المعابد ترسخت الرحلة الروحية بتحويل تلك المعابد إلى “مزارات” لرجال الدين والباحثين عن المعرفة الخفية.

وفي الهندوسية كانت الرحلة الروحية تعني السفر إلى “تيرثا” أو المكان المقدس لهدف التكفير عن

الذنوب،وكانت جبال الهملايا ونهر الغانج، مزارين لتلك الرحلة.

وفي البوذية كانت الرحلة الروحية تعني الذهاب إلى المكان التي قضى فيها بوذا فترات حياته إلى “نيبال” مسقط رأسه و “بود غايا” مكان تلقى حكمه التنويرية،و”سارناث” المصدر الذي استلهم منه مواعظه، و”كوشينغار” مكان موته.

وتعددت مزارات الرحلات الروحية عند الهنود قديما ما بين الغابات و الجبال و الأنهار و المعابد،لاعتقادهم أن المشقة تحرر المرء من ذنوبه و تكشف له مصادر قوته الحقيقية و تمنحه المعرفة المطلقة، وأهم تلك الرحلات ما نجدها عند “البراهمانية” التي تمر بأربع مراحل، آخرها مرحلة “التجرد” بحيث يتحرر الزاهد من دورة التناسخ ليتحد مع روح الكون.

وكانت الهند في المعتقد الصيني القديم تعتبر الأرض المقدس الذي يذهب إليها الرهبان في رحلة روحية شاقة عبر طريق الحرير لينهلوا من تعاليم بوذا لتحقيق ارتقائهم التنويري و الوصول إلى المعرفة العميقة، وكانت تلك الرحلات غالبا ما تتحول إلى “ملاحم” أدبية روحيّة مٌلِهمة مثل “ملحمة رحلة إلى الغرب” التي كتبت في القرن السادس عشر تحكي رحلة الراهب الصيني البوذي “شوان تسانغ” إلى الهند لتجميع تعاليم بوذا،و التي استمرت “19”عاما.

وكانت الرحلات الروحية غالبا ما تنطلق وفق رؤية فلسفية قد يعتريها الغموض والدلالات الباطنية، مثل “الخلوات الطاوية” التي بنيت على فلسفة “وو وي”-العيش بتلقائية- و التي تعتمد عليها اليوم بعض الأفكار في كتب التنمية الاجتماعية و تطوير الذات.

أما مصر القديمة فقد كانت الرحلات الروحية تهدف بالنسبة للكهنة إلى البحث عن الخلود من خلال الالتقاء بمصدر رمزية ذلك الخلود،وكان نهر النيل لتلك الرحلات هو المعبر المقدس إلى رموز آلهتهم.

أما العرب قبل الإسلام فلم تكن لها رحلات روحية بالمفهوم الذي كان عند الحضارات في زمنهم، إلا الرحلات التجارية، ولعل السبب؛ أنهم لم يكونوا أصحاب فلسفة وعقائد فكرية تدفعهم إلى الرحلات الروحية للتحقق من صحة مضمون تلك الفلسفة أو تلك العقائد الفكريّة.

أما المسلمون الأوائل فقد ظهرت لديهم “الرحلات العلمية” لجمع اللغة و تنقيحها وجمع الأحاديث النبوية، وجمع تاريخ الأمم و أخبارهم، مثل ابن بطوطة و المسعودي الذي لقب “بهيرودوت العرب”،و الأدريسي الذي أسس أول أطلس في الحضارة الإنسانية.

كما كانت للرحلات الروحية نصيبا في الأدب ويعتبر كتاب ألف ليلة وليلة أشهر الكتب في هذا المجال قديما، وفي الأدب الحديث رواية “الخيميائي” لباولو كويل” من خلال قصة رحلة الشاب سنتياغو”للبحث عن الكنز المدفون في الأهرامات.

وتعتبر الروائية “مها الفيصل” أول من أدخلت أدب الرحلات الروحية إلى الأدب السعودي.

ولن تختفِ دلالة الرحلة الروحية من قاموس الإنسان لأن طبيعته دوما باحثة عن المعرفة الخفية التي تمنحه عينا ثالثة وإن كان العلم اليوم ينوب عنها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى