الذكاء الاصطناعي في طريقه لفرض نفسه على الإعلام

الذكاء الاصطناعي في طريقه لفرض نفسه على الإعلام
متابعة نجاة احمد الاسعد
وسط دعوات لاشتراط ضوابط قانونية تحكم استخدامه وتمنع خروجه عن السيطرة
منذ أن بدأ الحديث عن «الذكاء الاصطناعي» وما يمكن أن تستتبعه تطبيقاته في مجالات العلوم والطب والخدمات وغيرها من الأنشطة الإنتاجية، وقبل أن تنزل برمجياتها الأولى إلى الأسواق، بدأت الأوساط المهنية تضرب أخماساً في أسداس؛ لمعرفة تأثير هذه الثورة التكنولوجية على قواها العاملة. ويضاف إلى ذلك، بالطبع، طرائق الإنتاج والخدمات، وأخلاقيات المهن الإبداعية.
وبالفعل، سارعت الدول المتقدمة إلى اشتراع ضوابط قانونية تحكم انتشارها وتحاول تأطير استخداماتها، ضمن حدود تمنع خروجها عن السيطرة وتحمي المجتمعات من الآثار السيئة التي كان أربابها أوّل الذين حذّروا منها.
تأثر الإعلام
لقد تبيَّن منذ الوهلة الأولى أن القطاعات المهنية التي كان قد ترسَّخ فيها الاعتماد بكثافة على التكنولوجيا الرقمية، هي التي ستكون الأكثر تأثراً بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفي طليعتها قطاع الإعلام، الذي كان ذهب شوطاً بعيداً في التحوّل الرقمي.
ذلك أن السواد الأعظم من قراء معظم الصحف الكبرى التي حافظت على نسخها الورقية إلى جانب الرقمية، بات يكتفي بالنسخة الرقمية لتسقط الأخبار ومتابعة التطورات. يضاف إلى ذلك أن التطبيقات الرقمية، الصوتية والمرئية، غدت هي الأداة الأساسية للخدمات الإعلانية التي تقدمها هذه الصحف وتشكّل المصدر الرئيسي لإيراداتها.
في التقرير السنوي الذي صدر نهاية العام الماضي عن «رابطة الصحافة الأوروبية»، وخصصت موضوعه الرئيس للذكاء الاصطناعي، وما يحمله من تداعيات راهنة ومستقبلية على مهنة الصحافة، جاء أن التطبيقات الموجودة حالياً لهذه التكنولوجيا بدأت تحدث تطورات وتحولات عميقة. وهذا يحدث على جميع المستويات في تصميم المواد الإعلامية الرقمية وإنتاجها، انطلاقاً من تقنيات لا تزال في مراحل تطورها الأولى. أي إنها من شأنها في المراحل التالية أن تغيّر المشهد الإعلامي بشكل جذري في غضون سنوات قليلة.
التقرير تضمّن استطلاعاً واسعاً بين المحرّرين والمنتجين والمشرفين على النسخ الرقمية لعدد من وسائط الإعلام الأوروبية حول استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحافي، يستفاد منه ما يلي:
– 84 في المائة من الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أن المحرّرين سيستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي الرقمية بنسبة عالية في المستقبل.
– 85 في المائة يرون أن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تستولد المادة الإعلامية يجب أن يكون خاضعاً لقواعد صارمة تحدّ من انتشاره على نطاق واسع.
– 97 في المائة يعتقدون أن استخدام الذكاء الاصطناعي ستكون له تداعيات كبيرة على أخلاقيات المهنة.
– 91 في المائة يرجّحون أنه سيسهم في التضليل الإعلامي وترويج الأخبار الكاذبة.
– 96 في المائة يؤمنون بأن من حق القارئ أن يعرف مُسبقاً باستخدام الذكاء الاصطناعي في المادة الموجودة بين يديه.
– 73 في المائة يحمّلون الوسيلة الإعلامية المسؤولية عن استخدامه.
وفي المقابل، جاء في الاستطلاع أن 31 في المائة فقط من الذين شاركوا فيه يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي حالياً في نشاطهم المهني لإعداد النصوص وتجميع المعلومات والترجمة.
تشات جي بي تي»
بداية هذا التحوّل الجذري، الذي دفع بوسائل الإعلام إلى إعادة نظر شاملة في طرائق العمل والاعتماد بشكل متزايد على متخصصين في التكنولوجيات الرقمية، كانت أواخر خريف عام 2022. أي عندما نزل تطبيق «تشات جي بي تي (ChatGPT)» إلى الأسواق، ثم راح يتعمّم استخدامه في إنتاج أو توليد المادة الإعلامية لدى عدد من وسائل الإعلام السيبرانية الكبرى.
وتُبيِّن الدراسات المتعمقة في هذا المجال، أن المؤسسات الإعلامية بدأت تنشط في استخدام التطبيقات التكنولوجية التي تتميز بسهولة الاستعمال وبمردودٍ عالٍ، وتستثمر في تطوير الأدوات الرقمية؛ بهدف دمج طاقاتها التكنولوجية مع القدرة الإبداعية البشرية. ويقول الخبراء إن قدرة هذه الأدوات لا تقتصر على تسهيل المهام الصحافية وإنتاج المواد فحسب، بل تساعد أيضاً على التثبّت من دقة المعلومات، وبإمكان المتطورة منها التفاعل مباشرة، وبصورة حصرية، مع القارئ بواسطة خوارزميات وشبكات عصبية.



