الاخبارية العربيةثقافة ومنوعات

الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي: فيلسوف الأزهر ودوره الفكري والإنساني في نصرة قضية كوسوفا

الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي: فيلسوف الأزهر ودوره الفكري والإنساني في نصرة قضية كوسوفا

بقلم: الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
E-mail: albapres@hotmail.com

تمهيد: علامة فارقة في سماء الفكر
يُعدّ الفكر الإسلامي المعاصر أحد أهم ميادين التفاعل الحضاري في العالم الحديث، إذ يشهد جدلًا متواصلًا بين الأصالة والتجديد، وبين التراث ومتطلبات العصر. وفي خضم هذا الجدل الفكري، برزت شخصيات علمية وفكرية استطاعت أن تجمع بين عمق التراث الإسلامي ووعي الواقع المعاصر، وأن تقدم إسهامات رصينة في قراءة التراث وتحليل الفكر الغربي، والمشاركة في صياغة خطاب فكري قادر على مواجهة التحديات الحضارية والثقافية التي تواجه الأمة الإسلامية.
ومن بين هذه الشخصيات الفكرية البارزة يبرز اسم الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي (1938–2006)، أحد أعلام الفلسفة الإسلامية في الأزهر الشريف، وأحد المفكرين الذين تركوا بصمة واضحة في الحياة الفكرية والثقافية في مصر والعالم الإسلامي. فقد جمع الفيومي بين التخصص الفلسفي العميق والاهتمام الواسع بقضايا الفكر الإسلامي المعاصر، كما جمع بين العمل الأكاديمي والبحث العلمي، وبين النشاط الفكري والدور المؤسسي في خدمة الثقافة الإسلامية.

لقد كان الدكتور الفيومي نموذجًا للمفكر الأزهري الموسوعي الذي استطاع أن يوظف أدوات الفلسفة والتحليل العقلي في قراءة التراث الإسلامي قراءة نقدية واعية، وفي الوقت نفسه أن يواجه التيارات الفكرية المعاصرة – الغربية منها والشرقية – بالحجة العلمية والمنهج الأكاديمي الرصين. وقد تجلى هذا الدور في مؤلفاته المتعددة التي تناولت قضايا الفكر الإسلامي، ونقد الاستشراق، وتحليل الفلسفات الغربية، إضافة إلى دراساته العميقة حول الفرق الإسلامية وقضايا الثقافة والحوار الحضاري.

غير أن أهمية شخصية الدكتور الفيومي لا تقتصر على إنتاجه العلمي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى حضوره الفاعل في قضايا الأمة الإسلامية، حيث كان مثالًا للمفكر الذي لا يكتفي بالتنظير الفكري، بل يسعى إلى تحويل الفكر إلى مواقف عملية تخدم قضايا الإنسان المسلم في مختلف أنحاء العالم. وقد كان موقفه من قضية كوسوفا مثالًا واضحًا على هذا التفاعل الإنساني والفكري، إذ انخرط في دعم هذه القضية والدفاع عنها في المحافل الفكرية والثقافية، وساهم في التعريف بمعاناة مسلمي البلقان في مرحلة من أصعب مراحل تاريخهم الحديث.

ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال الذي يسعى إلى تقديم قراءة تحليلية شاملة لشخصية الدكتور محمد إبراهيم الفيومي، من خلال إبراز أبعادها العلمية والفكرية والإنسانية. فهو لا يكتفي بعرض سيرته الذاتية أو تعداد مؤلفاته، بل يحاول الكشف عن ملامح مشروعه الفكري ودوره في الحياة الثقافية والفكرية، فضلًا عن إسهاماته في خدمة قضايا الأمة الإسلامية وفي مقدمتها قضية كوسوفا.

وقد تم تقسيم هذا المقال إلى عدد من الفصول التي تتناول نشأة الدكتور الفيومي وتكوينه العلمي، ومسيرته الأكاديمية، وإسهاماته الفكرية والفلسفية، ودوره في الحياة الثقافية والدبلوماسية الفكرية، إضافة إلى مواقفه الإنسانية من قضايا المسلمين، مع التوقف عند العلاقة الفكرية والحوارية التي جمعته ببعض الشخصيات العلمية المعاصرة. كما تتضمن المقالة قصيدة أدبية تعكس البعد الروحي والوجداني في استحضار هذه الشخصية العلمية المتميزة.

إن دراسة شخصية مثل الدكتور محمد إبراهيم الفيومي ليست مجرد استعادة لسيرة عالم من العلماء، بل هي محاولة لفهم نموذج من نماذج الفكر الإسلامي المعاصر الذي جمع بين العلم والعمل، وبين الفلسفة والدعوة، وبين الفكر والالتزام بقضايا الأمة. ومن خلال هذه الدراسة يمكن أن نتبين الدور الذي يمكن أن يقوم به المفكر المسلم في توجيه الوعي الثقافي وإحياء روح المسؤولية الحضارية في زمن تتعاظم فيه التحديات الفكرية والسياسية.
النشأة والتكوين العلمي: جذور أزهرية وامتداد عالمي
وُلد الدكتور محمد إبراهيم الفيومي في قرية أوليلة بمحافظة الدقهلية عام 1938م، في أسرة حفظته القرآن الكريم في كتاب القرية، فغرست في وجدانه حب اللغة والدين منذ نعومة أظفاره. هذه النشأة الدينية الأصيلة كانت النواة الأولى لتكوينه الفكري، حيث تابع مسيرته التعليمية في معهد الزقازيق الديني حتى حصل على الثانوية الأزهرية عام 1960 .

التحق بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر، وتخرج فيها عام 1965م ليحصل على الليسانس، ثم واصل دراساته العليا في تخصص الفلسفة الإسلامية، فنال درجة الماجستير عام 1968م. غير أن المحطة الأهم في تكوينه العلمي كانت سفره إلى فرنسا ضمن بعثة الأزهر الشريف بين عامي 1971 و1973م، حيث درس في جامعة السوربون العريقة (جامعة باريس) وحصل على دبلوم عالٍ في الفلسفة الإسلامية. كانت هذه التجربة امتدادًا لتجارب أفذاذ أزهريين من أمثال محمد عياد الطنطاوي وعبد الله دراز، حيث انفتح على الثقافة الغربية ومناهج البحث لديها، مما أكسبه قدرة فريدة على فهم العقل الغربي وتفكيك مقولاته. عاد بعدها إلى مصر ليحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية من جامعة الأزهر عام 1974م، ليبدأ مرحلة جديدة من العطاء .

المسيرة الأكاديمية والقيادية: بناء مؤسسات ورعاية أجيال
لم تكن حياة الدكتور الفيومي الأكاديمية محصورة في جدران قاعات الدرس، بل كانت مسيرة حافلة بالبناء والعطاء المؤسسي. بعد تخرجه، عمل مدرسًا بوزارة التربية والتعليم لفترة وجيزة، ثم اتجه للبحث العلمي في مجمع البحوث الإسلامية. ومع حصوله على الدكتوراه، تدرج في السلك الأكاديمي بكلية أصول الدين حتى حصل على درجة الأستاذية .
وامتد نشاطه خارج مصر، فأسهم في إنشاء كليات مرموقة في جامعات عربية عريقة. ففي أواخر السبعينيات، سافر في إعارة إلى قطر، حيث شارك في تأسيس كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة قطر. وفي منتصف الثمانينيات، كان له دور بارز في تأسيس كلية التربية والعلوم الإسلامية في جامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان. هذه التجارب أكسبته خبرة واسعة في بناء المؤسسات الأكاديمية وصياغة مناهجها، وتركت بصماته في أجيال من الطلاب في أكثر من قطر عربي .

تولى مناصب قيادية مرموقة، فعُين عميدًا لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة، ثم رئيسًا لقسم أصول الدين. كما انتدب مرتين أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وكانت فترتا ولايته من أخصب الفترات في تاريخ المجلس، حيث قاد خلالهما مؤتمرات دولية كبرى وساهم في تعزيز الحوار بين الثقافات. وقد تُوّجت مسيرته العلمية بعضويته في هيئات علمية مرموقة، أبرزها: مجمع البحوث الإسلامية (عام 2000م)، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة (عام 2003م) .

الأثر في الحياة الفكرية والعلمية: مشروع نقدي متكامل
تمثلت عبقرية الدكتور الفيومي في قدرته على الجمع بين التخصص الدقيق في الفلسفة الإسلامية وبين الرؤية الموسوعية التي تشمل قضايا الفكر والدين والمجتمع. ترك إنتاجًا علميًا ضخمًا يربو على الخمسين كتابًا، تُعد موسوعته عن “الفرق الإسلامية” في ستة أجزاء من أبرز أعماله، حيث درس فيها نشأة الفرق وخلفياتها الثقافية والفلسفية، بدءًا من الخوارج والمرجئة، مرورًا بالشيعة العربية والشعوبية، وصولًا إلى المعتزلة والأشاعرة والماتريدية . وقد تميز منهجه في هذه الموسوعة بالموضوعية والعمق التحليلي، بعيدًا عن التعصب المذهبي.

كما امتدت كتاباته لتشمل دراسات نقدية عميقة في الفكر المعاصر والمدارس الفلسفية الغربية. ففي كتابه “الاستشراق: رسالة استعمار” ، كشف بمنهجية علمية رصينة عن جذور الاستشراق وأهدافه كامتداد للصراع الغربي مع الإسلام. وفي كتبه “الوجودية: فلسفة الوهم الإنساني” و”القلق الإنساني” ، حلل بعمق الفلسفات الغربية وأبرز رؤيتها للإنسان، مقارنًا إياها بالنظرة الإسلامية المتوازنة . كما كان الفيومي مفكرًا متأملاً لهواجس العصر، فكتب “تأملات في أزمة العقل العربي” ، و”المسألة الإسلامية ومفهوم الوعي الثقافي الخاطئ” ، و”أدب الحوار: مفاهيمه ومجالاته”، ليقدم حلولاً فكرية نابعة من الأصالة الإسلامية لقضايا النهضة والتجديد .

الأثر في الحياة الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية
لم تكن إسهامات الدكتور الفيومي حبيسة الأروقة الأكاديمية، بل امتدت لتلامس قضايا الأمة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية بفكر مستنير. فقد كان مشاركًا فاعلاً في المؤتمرات والندوات التي تناقش قضايا الساعة. ففي منتصف الثمانينيات، شارك في ندوة مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام حول “الشباب والتطرف الديني وتطبيق الشريعة الإسلامية”، ناقشًا أخطر القضايا المجتمعية بأسلوب أكاديمي موضوعي . وكتب عن “الأحلاف العربية وفكرة التضامن العربي”، منطلقًا من رؤية إسلامية عروبية جامعة.

على الصعيد الدبلوماسي، مثّل الأزهر ومصر في محافل دولية عديدة. فشارك في ندوة الأديان والتسامح التي نظمتها اليونسكو في إسطنبول، وكان عضوًا في لجنة وضع بروتوكول تعاون بين جامعة الأزهر وجامعة هوارد الأمريكية، وفي لجنة إنشاء مركز إسلامي في ألمانيا، برئاسة شيخ الأزهر الراحل جاد الحق علي جاد الحق. كما شارك في مؤتمر “القدس مدينة الأديان الثلاثة” في لندن، ليؤكد على الهوية العربية الإسلامية للمدينة المقدسة .

الأثر في الحياة الثقافية والأدبية: أديب مفكر
إلى جانب كونه فيلسوفًا، كان الدكتور الفيومي أديبًا بليغًا، وصاحب ذوق أدبي رفيع. يتجلى ذلك في أسلوبه الكتابي السلس، وفي تراجمه الأدبية الرائعة لشخصيات أثرت في الثقافة العربية والإسلامية. فقد كتب بإبداع عن الإمام الغزالي، والإمام الشافعي (مسلطًا الضوء على النزعة العقلية عنده)، والبوصيري وابن عطاء الله السكندري، وابن باجة وفلسفة الاغتراب، والشيخ الأكبر ابن عربي، والحلاج. لم تكن هذه التراجم مجرد سرد للأحداث، بل كانت دراسات تحليلية معمقة تستنبط الدروس والعبر من حياة هؤلاء الأعلام وتضعها في سياقها التاريخي والفكري .
كما كتب سيرته الذاتية في كتابه الشيق “أيامي.. حديث نفس مغتربة”، الذي يُعد وثيقة إنسانية وفكرية نادرة، يبوح فيها بتجاربه وتأملاته، ويكشف عن ملامح نفس فيلسوف يعايش عصره بكل تناقضاته وأسئلته. بالإضافة إلى ذلك، كانت له إسهامات صحفية غزيرة في كبريات الصحف والمجلات المصرية والعربية، حيث ناقش قضايا فكرية وأدبية متنوعة، وترك للمكتبة العربية عشرات المقالات والدراسات .

لقاء الفكر والهمّ المشترك: الدكتور الفيومي وقضية كوسوفا
يتجلى البعد الإنساني والعملي في شخصية الدكتور الفيومي، إلى جانب أبعاده الفكرية والأكاديمية، من خلال موقفه النبيل من القضايا المصيرية للأمة الإسلامية. ولم تكن مأساة مسلمي البلقان، وبالأخص قضية كوسوفا، بعيدة عن اهتماماته وجهوده. ففي الوقت الذي كان فيه الحدث الأليم في كوسوفا يسبب آلامًا وجراحًا للأمة الإسلامية بأكملها، كنت أقوم بدوري في خدمة بلدي الغالي الحبيب، عبر نشاطات في شتى المجالات، وعملت على إشراك كافة الهيئات والمؤسسات في المناداة بحقوق شعب كوسوفا، والمطالبة باستقلالها وحقها في العيش بسلام.
وكان من بين تلك النشاطات عقد لقاءات مستمرة مع المفكرين المعاصرين لطرح القضية ومناقشتها، واستلهاب المشاعر، واستجماع الجهود العامة والخاصة. وكان من أبرز هؤلاء المفكرين العالم الأزهري الجليل، الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي. وقد جمعتنا به لقاءات ثرة وحوارات عميقة حول قضايا العالم الإسلامي بصفة عامة، ومنطقة البلقان وقضية كوسوفا بصفة خاصة.
ويعود تاريخ أول لقاء جمعني بالدكتور الفيومي إلى 28 مارس 1994م، وكان سبب التعارف هو الدكتور صوفي أبو طالب، الذي تولى رئاسة الجمهورية بصفة مؤقتة. وفي هذا اللقاء، وجدت الدكتور الفيومي يفتح قلبه وعقله، مصرحًا بأنه على أتم استعداد لتقديم أية مساعدات ممكنة لمسلمي البلقان، سواء على المستوى الشخصي، أو بصفته أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ومؤكدًا استعداد الشعب المصري بجميع طوائفه لبذل الغالي من أجل إخوانهم في البلقان.
لم تكن هذه مجرد كلمات عابرة، بل تحولت سريعًا إلى أفعال ملموسة. فبعد أيام قليلة من هذا اللقاء، تلقيت طلبًا من رئيس المشيخة الإسلامية في مقدونيا، بوصفي ممثلاً لها في مصر، للتقدم بطلب عضوية المشيخة الإسلامية المقدونية في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. التقيت بالدكتور الفيومي مرة أخرى، هذه المرة بصفته أمينًا عامًا للمجلس، وقدمت له الطلب فرحب به على الفور. وبعد دراسة أبعاد الموضوع، انضمت المشيخة الإسلامية المقدونية رسميًا كعضو في المجلس، وكان أول وفد يمثل مقدونيا منذ استقلالها عن الاتحاد اليوغوسلافي. وقد كتبت الصحف والمجلات المقدونية عن هذا اللقاء التاريخي.
تكررت اللقاءات بعد ذلك، ونشأت علاقة حميمة بيني كممثل للمشيخة المقدونية في مصر وبين الأمين العام. وعلى أثر ذلك، تمت أشكال مختلفة من التعاون، من أبرزها حصول الطلبة المقدونيين على منح دراسية من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. وعندما تم تعييني ممثلاً للمشيخة الإسلامية الألبانية في مصر، أسعدني الحظ بلقاء الدكتور الفيومي مجددًا للعمل على ربط الصلات وتوثيق العلاقات بين ألبانيا والمجلس، فوجدته رحب الصدر، طيب الحديث، يتدارس الموضوعات بدقة وموضوعية.
ولم تحل استقالة الدكتور الفيومي من منصبه كأمين عام دون استمرار علاقة الود والتعاون بيننا، فلم يضنِ بوقته ولا جهده عن استقبالي لمناقشة العديد من القضايا والموضوعات الهامة. ووجدتني أمام رجل يتسم بالاهتمام البالغ والتفهم الكامل لكل ما يتعلق بقضايا المسلمين في كل مكان، يعمل على خدمتهم بأقصى ما في وسعه. بل إنه عندما كنت أحتاج لطرح بعض الأسئلة المتعلقة بالفلسفة الإسلامية وقضايا العالم الإسلامي، تفضل بالحضور شخصيًا إلى مكتبنا للقيام بالشرح الدقيق لكل ما نحتاج إليه من تفسيرات وآراء، فجزاه الله خير الجزاء.
دوره البارز في خدمة قضية كوسوفا: رؤية فلسفية واستشراف مستقبلي

لقد كان الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي، بصفته مفكرًا إسلاميًا وأستاذًا بجامعة الأزهر الشريف، وأمينًا عامًا سابقًا للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، من أعلام الأزهر الذين تحملوا عبء الدعوة إلى الدين الإسلامي وتقديمه في صورته الصحيحة. وقد شغلت قضية كوسوفا حيزًا كبيرًا من فكره واهتمامه، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الجسد الإسلامي. فكان يثير القضية في شتى المحافل والندوات والاجتماعات، على مختلف المستويات المحلية والعالمية، كلما سنحت له الفرصة. كما كان يطرحها في محاضراته بجامعة الأزهر، وفي مناقشاته مع زملائه وأصدقائه، إيمانًا منه بأن من حق شعب كوسوفا المسلم أن ينال استقلاله التام، وأن يقرر مصيره بنفسه، وأن تكون كوسوفا جمهورية مستقلة بعد انحلال الاتحاد اليوغوسلافي.
لقد شارك الدكتور الفيومي بلسانه وقلمه في خدمة هذه القضية، وقام بدور عظيم في شأنها. أتذكر جيدًا زيارتي له في مقر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية لطرح بعض الأسئلة ومناقشة بعض القضايا المتصلة بالقضية، فأجابني بأسلوبه الطيب اللين قائلاً: “إنها نفس الأيدي الخفية” . ثم استشهد سيادته بحكمة عميقة من تراثنا الإسلامي، وهي قول الإمام علي كرم الله وجهه: “أكلت يوم أكل الثور الأبيض” ، وشرح المثل بأنه كان هناك ثوران، أحدهما أبيض والآخر يشبه الأسد، فلما طلب الأسد أحدهما، أشار شبيه الأسد عليه بأكل الثور الأبيض لأن لونه مغاير للونهما، فانقض الأسد على الثور الأبيض. وفي الوجبة التالية، طلب الأسد الثور الآخر، فقال الثور الباقي: “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.
من هنا انطلق الدكتور الفيومي في تحليله العميق للأحداث، مؤكدًا أنه إذا كان الغرب قد تآمر مع الصرب للقضاء على البوسنة والهرسك وكوسوفا، فإنه الآن يتآمر على من ظنوا أنفسهم قد صاروا أصدقاءً للغرب. فالقوي صاحب الأطماع لا صديق له، وعلى الباغي تدور الدوائر، والدائرة قادمة على الصرب.
وفي خضم هذه الظروف الحالكة، كان لقائي به في مكتبه كأمين عام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بصفتي ممثل المشيخة الإسلامية لجمهوريتي ألبانيا ومقدونيا، حيث تدارسنا معًا ما يمكن أن يقدمه المجلس لمسلمي كوسوفا.
ولا يخفى على أحد ما في حديث الدكتور الفيومي من عرض أمين واضح لقضية كوسوفا، ولا ما في طياته من معانٍ دقيقة قلما يتفطن لها العقل؛ فهي تمثل رؤية مستقبلية نافذة لما سيصيب الصرب وأمثالهم على يد من هم اليوم أنصارهم في الباطل ومن يظنونهم أصدقاء لهم. وفيه تنبيه عميق إلى أن طريق الطمع لا صديق فيه، ومن يرتدي قناع الصداقة اليوم هو نفسه أول أعداء الغد. ومثاله على ذلك ما ضربه في قضية العراق مع إيران، وموقف أمريكا والغرب منها موقف الصديق، ثم ما حدث بعد انتهاء الحرب من تحول الموقف إلى عداوة لدودة لمن كان بالأمس يدعي الصداقة الحميمة!
هذه كانت بحق رؤية صادقة من مفكر كبير، وحدسًا نافذًا عما سيتحقق عما قريب. ومن هنا تبرز لنا قيمة المفكرين الواعين، ودورهم في خدمة القضايا الجادة مثل قضية كوسوفا، وعدم توانيهم عن الحديث عنها في شتى المحافل والندوات والاجتماعات.

جهوده في الدعوة وخدمة قضايا الأمة
ظل الدكتور الفيومي مدافعًا صلبًا عن الإسلام وقضايا المسلمين، ليس فقط بالرد على شبهات المستشرقين والمفكرين الملحدين، بل أيضًا بمناصرته لقضايا المسلمين في كل مكان. ومن أبرز هذه القضايا التي تبنّاها وناصرها بكل قوة، قضية مسلمي كوسوفا، كما وثقنا في مؤلفنا الخاص بعنوان: “الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي ودوره البارز في خدمة قضية كوسوفا”، تخليدًا لذكراه وتوثيقًا لجهوده الكبيرة في التعريف بمأساة مسلمي البلقان ونصرتهم بقلمه وفكره ومواقفه العملية.

الدور الريادي والدبلوماسية الثقافية: رؤية الفيومي لجهود بكر إسماعيل الكوسوفي في خدمة قضية كوسوفا

جدلية الفكر والفعل في خدمة القضايا المصيرية

في تاريخ الأمم والشعوب، تبرز لحظات فارقة تحتاج فيها القضايا المصيرية إلى رجال يجمعون بين عمق الرؤية الفكرية وقوة الفعل العملي، بين قدرة المفكر على التحليل واستشراف المستقبل، وجهد المناضل على المتابعة والتنظيم والعمل الميداني. ولعل اللقاء الفكري بين عالمين جليلين، يجسدان هذه المعادلة الصعبة، خير شاهد على كيف يمكن للفكر المستنير أن يتحول إلى مواقف عملية، وللحوار المخلص أن يثمر مشاريع إنسانية كبرى.

في هذا الفصل، نستعرض رؤية الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي للدور الريادي الذي اضطلع به الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي في غمار الظروف العصيبة التي ألمت بشعب كوسوفا، وذلك من خلال حوار عميق جمع الرجلين، تجاوز حدود المجاملات إلى جوهر القضايا، وتناول بالتحليل والنقد ما يمكن تقديمه وما يصعب تقديمه في معترك العمل الإنساني والسياسي والدبلوماسي.

أولاً: سيمفونية العمل المشترك: قراءة في حوارية الفكر والفعل

1. المشهد الافتتاحي: استشراف الإمكانيات وتحديد الأولويات

في أحد أيام تلك الفترة العصيبة من تاريخ البلقان، وتحديدًا في مقر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، دار حوار عميق بين الأمين العام آنذاك الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي، وبين ممثل المشيخة الإسلامية لجمهوريتي ألبانيا ومقدونيا، الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي. لم يكن اللقاء مجرد استقبال بروتوكولي عابر، بل كان بمثابة مجلس حرب فكري وإنساني، يناقش فيه الرجلان سبل إنقاذ شعب يُذبح ودماؤه تُراق على مرأى ومسمع من العالم.

يتذكر الدكتور الفيومي ذلك اللقاء قائلاً: “في تلك الظروف الحالكة، زارني في مكتبي كممثل للمشيخة الإسلامية لجمهوريتي ألبانيا ومقدونيا، الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، وتدارس معي ما يمكن أن يقدمه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية لمسلمي كوسوفا”. هنا يبرز البعد الدبلوماسي الراقي في شخصية الكوسوفي، الذي لم يأتِ ليطلب فقط، بل ليتدارس ويتحاور، ليضع يده على مواطن القوة والإمكانيات المتاحة، وليفهم بدقة ما يمكن تقديمه وما يصعب تقديمه في تلك الظروف.

2. فن الممكن: تحديد الأولويات بين الواقع والمأمول

في سياق الحوار الاستراتيجي بين الرجلين، كان لابد من الانتقال من التنظير إلى التطبيق، من الحديث عن التضامن الإسلامي إلى طرح نماذج عملية قابلة للتنفيذ. وهنا يبرز بعدٌ آخر في شخصية الدكتور الكوسوفي، وهو قدرته على تحويل المشاعر الجياشة إلى برامج عمل محددة.

يقول الدكتور الفيومي واصفًا ذلك المشهد: “فتساءل عن بعض الأمثلة، فقلت: مَثَل ما يمكن تقديمه: المنح الدراسية، استقبال الأطفال، استقبال البنات والأولاد للدراسة”. هذه الإجابة البسيطة في ظاهرها، العميقة في جوهرها، تكشف عن رؤية استراتيجية متكاملة:

• البعد التعليمي والتربوي: كان التركيز على “المنح الدراسية” يعكس إيمانًا عميقًا بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الأوطان، وأن الخلاص الحقيقي لشعب كوسوفا لن يكون فقط بوقف نزيف الدم، بل أيضًا بتأهيل العقول والقدرات لقيادة المستقبل.

3. الترجمة الفورية للرؤية: من الكلمات إلى الأفعال

لم تبقَ هذه الرؤى حبيسة الأدراج أو طيَّ النسيان، بل تحولت بفضل المتابعة الحثيثة من الرجلين إلى مشاريع ملموسة على الأرض. يشهد الدكتور الفيومي بذلك قائلاً: “وقد أقام المجلس بالفعل بعض الندوات للحث على تقديم التبرعات، وكذلك قام باستئجار البيوت استعداداً لاستقبال القادمين من كوسوفا، وكان الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي يقوم بمتابعة تلك الجهود، والعمل على تنظيمها” .

هنا تتجلى عبقرية التنظيم والإدارة في شخصية الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، الذي لم يكتف بدور الوسيط أو الناقل، بل تحول إلى مهندس حقيقي للعمل الإنساني، يتولى بنفسه متابعة التفاصيل الصغيرة والكبيرة، وينظم الجهود المتفرقة في بوتقة واحدة تخدم الهدف الأسمى.

ثانياً: الإعلام والوعي: معركة الرواية بين التزييف والحقيقة

1. بناء جسور المعلومات: النشرات الصادقة كأداة مقاومة

في حروب العصر الحديث، لا تقل المعركة الإعلامية أهمية عن المعركة العسكرية. بل غالبًا ما تكون هي الحكم الفاصل في توجيه الرأي العام العالمي وكسب تأييده. وفي هذا السياق، يبرز دور محوري للدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي لم يغفله الدكتور الفيومي في شهادته.

يقول الفيومي موثقًا هذا الدور: “ولقد كان الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي دوماً من أشد من عرفتهم نشاطاً، فكان يحرص على إمدادنا بالنشرات الصادقة الحديث عما يدور في كوسوفا، وعن وضع المسلمين هناك” .

هذا النشاط الدؤوب يمثل نموذجًا فريدًا لـ “الدبلوماسية الموازية” أو “الدبلوماسية الشعبية” ، حيث يقوم فرد أو مؤسسة غير حكومية بدور محوري في نقل الحقيقة وكشف الزيف، وتعويض التقصير الرسمي العربي والإسلامي في تغطية الأحداث ونصرة القضايا العادلة. لقد كان الدكتور الكوسوفي بهذا العمل يشكل وكالة أنباء مستقلة، ومصدر معلومات موثوقًا، في زمن كانت فيه وسائل الإعلام العالمية تخضع لأجندات سياسية واضحة.

2. الأرشفة والتوثيق: ذاكرة الأمة وحافظة حقوقها

لم يكن دور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي مقتصرًا على نقل الأخبار فقط، بل تعداه إلى عملية أكثر عمقًا وأهمية، وهي التوثيق والأرشفة. يضيف الدكتور الفيومي: “كما كان يحرص على جمع كل ما نقوم بكتابته عن كوسوفا، وعن تآمر الصرب عليها، ثم يقوم بترجمته إلى الألبانية” .

هذا العمل التوثيقي الدقيق يحمل في طياته عدة أبعاد استراتيجية:
• البعد القانوني: توثيق جرائم الحرب والتطهير العرقي تمهيدًا للمقاضاة الدولية.
• البعد التاريخي: حفظ الذاكرة الجماعية للشعب من الضياع أو التزييف.
• البعد القومي: ترجمة هذه المواد إلى اللغة الألبانية لنشر الوعي داخل المجتمع الكوسوفي نفسه، وتعزيز الرواية الوطنية.

3. مواجهة التزييف: معركة الحقيقة في زمن الإعلام الموجّه

في زمن الحروب، تكثر الشائعات وتتعدد وكالات التزييف والتضليل. وكان لابد من وجود رقيب شعبي يعمل على تصحيح المسار الإعلامي. يشهد الدكتور الفيومي على ذلك قائلاً: “وعندما تأتينا أية أخبار مملوءة بتزييف للأحداث – كان يسرع لتصحيح تلك الأخبار، وتقديم الأخبار الصادقة بدلاً منها عما يحدث بأيدي الصرب” .

هنا يتجلى دور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي كناقد إعلامي ومحلل موضوعي، لا يكتفي بنقل الخبر، بل يعمل على تمحيصه وتدقيقه، ومقارنته بالروايات الأخرى، ثم تقديم الصورة الأكثر دقة وصدقًا. هذا الدور هو جوهر ما يمكن تسميته بـ “اليقظة الإعلامية”، وهي صفة نادرة في زمن أصبح فيه الخبر يُصنع ليخدم أغراضًا سياسية أكثر مما يعكس وقائع حقيقية.

ثالثاً: الدبلوماسية الخفية: فتح الأبواب وتيسير اللقاءات

1. شبكة العلاقات: توظيف المناصب لخدمة القضية

لم يكن دور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي مقتصرًا على الجانب الإعلامي أو الإغاثي فحسب، بل امتد إلى ما يمكن تسميته بـ “الدبلوماسية المكوكية” أو”الهندسة السياسية” . يروي الدكتور الفيومي: “وكم قابلني الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية لنيسر له لقاء بعض المسؤولين، حيث كان لا يدخر وسعاً في شرح قضية كوسوفا” .

هذه العبارة القصيرة تكشف عن جهد دبلوماسي هائل كان يتم بصمت وهدوء. إن استغلال منصب المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية كمنصة للقاء المسؤولين، وتحويل هذه اللقاءات إلى فرص لشرح القضية وكسب التأييد، هو ضرب من ضروب “الدبلوماسية الثقافية” و”الضغط السياسي الذكي” .

2. دوافع العطاء: الدين والوطن كقوى محركة

ما الذي كان يحرك هذا الرجل ليبذل كل هذا الجهد؟ ما السر خلف هذه الطاقة الهائلة التي لا تعرف الكلل أو الملل؟ يجيب الدكتور الفيومي عن هذا السؤال بإجابة تكشف عن جوهر شخصية الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي: “فقد كان يحركه دائماً وازع الدين وحب الوطن”.

هذه العبارة البسيطة تحمل في طياتها فلسفة كاملة للعمل الوطني والقومي. إنها تشير إلى أن:
• وازع الدين: هو البوصلة الأخلاقية التي توجه العمل، وتجعله في إطار التكليف الشرعي والمسؤولية أمام الله.
• حب الوطن: هو الوقود العاطفي الذي يمد الإنسان بالطاقة لمواصلة المسير رغم الصعاب والعقبات.

هذا المزيج الفريد بين الدين والوطن هو الذي ينتج رجالًا من طراز الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، رجالًا لا يعرفون المستحيل، ولا يرضخون لليأس، يواصلون الليل بالنهار في خدمة قضية شعبهم وأمتهم.

رابعاً: تحليل نقدي للأبعاد المتعددة في شهادة الفيومي

1. البعد الأدبي والبلاغي

تتميز شهادة الدكتور الفيومي بأسلوبها الأدبي الراقي، الذي يجمع بين الدقة العلمية والعاطفة الجياشة. فاستخدامه لعبارات مثل “في غمار الظروف الصعبة”، أو “الأحداث المملوءة بتزييف” ، يكشف عن قدرة لغوية فائقة على رسم الصورة بكلمات قليلة. كما أن توظيفه للأفعال الدالة على المتابعة والتنظيم (يحرص، يسرع، يمدنا، يجمع) يرسم صورة حية لشخصية الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي كنموذج للنشاط الدؤوب والعمل المتواصل.

2. البعد الثقافي والحضاري

تكشف الشهادة عن التقاء ثقافتين إسلاميتين: الثقافة العربية المصرية ممثلة في الدكتور الفيومي والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، والثقافة الألبانية البلقانية ممثلة في الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي والقضايا التي يناقشها. هذا الالتقاء ينتج نموذجًا راقيًا للتضامن الإسلامي القائم على الفهم المتبادل والاحترام، لا على الشعارات الجوفاء.

3. البعد السياسي والاستراتيجي

تحمل الشهادة في طياتها قراءة سياسية عميقة لطبيعة الصراع. فالإشارة إلى “تزييف الأحداث” و”تآمر الصرب” تكشف عن إدراك كامل لطبيعة اللعبة السياسية في منطقة البلقان، حيث تتشابك المصالح الدولية مع الصراعات العرقية والدينية. كما أن التركيز على “المنح الدراسية” و”استقبال الطلاب” يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تدرك أن المعركة الحقيقية هي معركة بناء الإنسان وتأهيله لقيادة المستقبل.

4. البعد الدبلوماسي والعلاقات الدولية

تمثل شهادة الفيومي نموذجًا فريدًا لـ “الدبلوماسية الموازية” أو “دبلوماسية المنظمات غير الحكومية”، حيث يقوم المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بدور لا تستطيع الحكومات القيام به لاعتبارات سياسية مختلفة. كما أن تحرك الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي بين هذه المؤسسات، وفتح الأبواب للقاء المسؤولين، يمثل نموذجًا متقدمًا للعلاقات الدولية القائمة على الشبكات الشخصية والمؤسسية.

خامساً: الخاتمة التحليلية – دروس مستفادة من شهادة الفيومي

في ختام هذه الشهادة الثمينة، يقدم الدكتور الفيومي تأملًا فلسفيًا عميقًا في حال الأمة الإسلامية والعربية، مستشهدًا بحكم وأمثال تحمل في طياتها نقدًا لاذعًا للواقع المرير:

“الأحداث التي ألمت بالعالم الإسلامي والعربي وبالأقليات المسلمة، بل وبالإسلام نفسه – لدليل شاهد على وقاحة الغرب المتسلطة، وعلى ضعف الطرف الآخر من العالم واستكانته، وعلى قياداته التي لا سمع لها ولا بصر، ولا قلب يشعر ولا عقل يدرك. كقوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} [الأنفال: 22]”.

ثم يختم باقتباس عميق من الإمام الغزالي، رحمه الله، في مقارنة بليغة بين الإنسان والحمار: “إن الإنسان إذا أكل كثيراً نام كثيراً، وإن الحمار إذا أكل كثيراً عَمِلَ كثيراً” !!

ثم يطلق صرخته المدوية: “فهل من فجر جديد قريب؟!!!” .

هذه الخاتمة تحمل في طياتها عدة رسائل:
1. نقد الذات: إنها دعوة صريحة لمراجعة النفس، وتقييم أداء القيادات العربية والإسلامية التي تخاذلت عن نصرة القضايا العادلة.
2. تحليل الواقع: إنها قراءة عميقة لطبيعة العلاقات الدولية القائمة على المصالح، حيث القوي يفترس الضعيف، والغرب يتحكم بمقدرات العالم.
3. استشراف المستقبل: إنها صرخة أمل في فجر جديد، تخرج منه الأمة من سباتها العميق، وتستعيد دورها الريادي في صناعة التاريخ.

نموذج يحتذى للعمل المشترك

تظل شهادة الدكتور محمد إبراهيم الفيومي عن جهود الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي وثيقة تاريخية مهمة، تجسد نموذجًا للتعاون المثمر بين المؤسسات الدينية والثقافية المصرية، وبين المناضلين من أبناء الأقليات المسلمة في العالم. إنها شهادة رجل عرف قدر الرجال، وأدرك قيمة العمل الجاد والمخلص، فسجلها بحبر الوفاء والتقدير، لتكون نورًا يهتدي به في دروب العمل الإسلامي المشترك، ومنارة تذكرنا دائمًا بأن الأمل في نهضة هذه الأمة لن يتحقق إلا بعودة “الرجال الذين يحركهم وازع الدين وحب الوطن”، رجالًا لا ينامون كثيرًا ليعملوا كثيرًا، رجالًا يصنعون التاريخ بدلًا من أن يكونوا مجرد متفرجين عليه.

قصيدة الوفاء: من كوسوفا إلى مصر
إلى روح العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي
هدية من صديقه الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي

مقدمة القصيدة: في مداد الوفاء

هذه قصيدة نثرية وشعرية تنطلق من عمق العلاقة الإنسانية والعلمية التي جمعت بين عالمين جليلين، التقيا على حب العلم وخدمة القضايا العادلة، فكان لقاؤهما بمثابة جسر من النور يمتد من ضفاف النيل الخالد إلى ربوع البلقان الأبية. إنها كلمات تُكتب بمداد الوجدان، وتُهدى إلى روح عالم جليل ترك في قلوب محبيه أثرًا لا يُمحى.

القصيدة

(١) لقاء على ضفاف النيل

يَا نِيلُ يَا مَنْ فِي حَضِيضِكَ تَلْتَقِي … أَحْلامُ شَعْبٍ بِالعُلا مُتَوَثِّبِ
رُبَّى تَشُدُّ إِلَيْكَ كُلَّ مُهَجَّرٍ … وَتَضُمُّ كُلَّ مُفَارِقٍ وَمُغَرَّبِ
فِيكَ الْتَقَيْتُ بِصَاحِبٍ وَأَخِي هُدًى … عَالَمٌ جَلِيلٌ فِي السَّمَاءِ مُرَكَّبِ
مُحَمَّدٌ سَمَّوْهُ وَهْوَ مُحَمَّدٌ … فِي خُلُقِهِ وَسَجَايَاهُ فَلَمْ يُعَبِ
الْفَيْوَمِيُّ الأَزْهَرِيُّ مُفَكِّرٌ … بِالعَقْلِ يَخْطِبُ لا بِسَيْفٍ مُرْهَبِ

(٢) مجلس الأمانة: حيث تلتقي الأرواح

فِي مَجْلِسِ الإِسْلامِ كُنَّا نَلْتَقِي … نَحْوَ القَضَايَا نَسْتَدِقُّ وَنَصْحَبُ
وَعَلَى مَكَاتِبِنَا نَحُطُّ رُؤُوسَنَا … نَبْنِي وَنَحْفِرُ فِي الصُّخُورِ وَنَثْقُبُ
نَتَدَارَسُ الأَمْرَ الْعَظِيمَ وَهَمَّنَا … فِي كُوسُوفَا الجُرْحُ لَمَّا يَطَّبِبِ
شَعْبٌ يُقَاسِي الوَيْلَ مِنْ صِرْبٍ طَغَى … وَالعَالَمُ الإِسْلامِيُّ عَنْهُ مُغَيَّبِ
فِيكَ الْتَقَيْتُ بِصَاحِبِي وَرَفِيقِ دَرْبِي … مَنْ لَمْ يَزَلْ بِالعِلْمِ يَحْيَا وَيَطْرَبِ

(٣) يا صاحبي: حين يلتقي الفكر بالفعل

يَا صَاحِبِي يَا مَنْ سَكَنْتَ فُؤَادَنِي … بِوَدَادِكَ العَذْبِ الطَّهُورِ المُعْذِبِ
أَتَذَكَّرُ الأَيَّامَ حِينَ تَلَاقَيْنَا … وَالحِلْمُ يَبْنِي فِي دُمَانَا وَيَخْضِبُ
كَمْ لَيْلَةٍ سَهِرَتْ مَعِي تَتَفَضَّلًا … تَشْرَحُ لِي مَا كَانَ فِينَا يُغْلَقُ
تَأْتِي إِلَى مَكْتَابِنَا فِي تَوَاضُعٍ … وَالعِلْمُ فِي عَيْنَيْكَ كَالنُّورِ يُسْكَبُ
تَحْكِي لَنَا عَنْ فَلْسَفَاتِ الغَرْبِ مَا … خَفِيَ المَسَالِكُ عَنْهُ أَوْ مَا يُكْتَأَبُ
وَتَقُولُ إِنَّ الأُسْدَ تَأْكُلُ مِثْلَنَا … لَكِنْ أَخَاهَا مَرَّةً سَوْفَ يُنْهَبُ
“أُكِلَتْ يَوْمَ أُكِلَ الثَّوْرُ الأَبْيَضُ” … وَعَلَى البَغِي سَيَدُورُ مَا يَتَقَلَّبُ

(٤) قضية كوسوفا: حين يصبح الجرح قضية أمة

وَكُوسُوفَا يَا صَاحِ فِي أَحْشَائِنَا … تَحْتَ القُلُوبِ تَلَهَّبَتْ وَتَأَجَّجَتْ
نِسْوَةٌ تَصْرُخُ فِي المَخَايِمَ تَبْتَغِي … رَحْمًا يُوَارِي مَا تَبَقَّى وَيُحْجِبُ
وَطُفُولَةٌ مَذْبُوحَةٌ فِي مَهْدِهَا … تَبْكِي فَلَا أَحَدٌ يُجِيبُ وَيَغْضَبُ
كُنَّا نُلَمْلِمُ بِالجِرَاحِ وَهَمُّنَا … نَحْوَ النَّجَاةِ نَشُقُّ فِيهَا وَنَصْعَبُ
وَالمَجْلِسُ الإِسْلامِيُّ كَانَ مَعِينَنَا … بِالحُلْمِ يَسْقِينَا وَبِالخَيْرِ يُسْكِبُ
بَيْتُوكَ اسْتَأْجَرَ يَحْتَضِنُ الطُّفُولَةَ … لَمَّا بِهَا الخَوْفُ المُمِيتُ تَوَثَّبَا
وَالمَنْحُ كَانَ لِلدِّرَاسَةِ عَونَنَا … نَبْنِي العُقُولَ لِكَيْ نَعُودَ وَنَغْلِبُ

(٥) رسالة إلى صديق رحل

يَا مَنْ رَحَلْتَ وَفِي الحَشَا تَذْكَارُكَ ال … حُلْوُ الَّذِي بِمَدَامِعِي يَتَصَوَّبُ
أَيْنَ المَكَاتِبُ وَاللِّقَاءُ وَبَسْمَةٌ … تَحْكِي لَنَا عَنْ طِيبَةٍ لَا تُكْذَبُ
أَيْنَ الحَدِيثُ عَنِ البِلَادِ وَعَنْ دَوَا … ءٍ لِجُرْحِ النَّاسِ حِينَ يَتَأَلَّبُ
كُنْتَ الأُسْتَاذَ المُفَكِّرَ حِينَ مَا … حَارَ الأَخِيرُ وَعَنْ هُدَاهُ تَغَيَّبُوا
كُنْتَ الفَهِيمَ وَكُنْتَ خَيْرَ مُفَكِّرٍ … وَكُنْتَ بِالعَمَلِ الجَلِيلِ تُجَرِّبُ

(٦) رسالة إلى مصر: من كوسوفا بكل الحب

يَا أَرْضَ مِصْرَ بِكِ الْتَقَيْتُ بِصَاحِبِي … وَبِكِ ازْدَهَتْ أَحْلَامُنَا وَتَطَيَّبُوا
عَلِّمْتِنَا أَنَّ الوَفَاءَ خَلِيقَةٌ … فِينَا وَأَنَّ العِلْمَ فِينَا يُوهَبُ
وَأَنَّ خَيْرَ النَّاسِ مَنْ بِجُهُودِهِ … يَبْنِي الجُسُورَ وَبِالْقُلُوبِ يُقَرِّبُ
يَا مِصْرُ يَا مَنْ فِي تُرَابِكِ دَفْنُ مَنْ … أَحْبَبْتُهُمْ وَبِحُبِّهِمْ أَتَقَرَّبُ
فِيكِ الْفَيُومِيُّ العَظِيمُ وَدِفْئُهُ … فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنَ القَلْبِ يُسْكَبُ

(٧) ختام: وعد لا ينتهي

سَأَظَلُّ أَحْمِلُ ذِكْرَكُمْ فِي مُهْجَتِي … مَا دَامَ فِي عُرْقِي دَمِي يَتَصَرَّبُ
وَأَظَلُّ أَدْعُو لِلْجَمِيعِ بِرَحْمَةٍ … فِي كُلِّ لَيْلٍ حِينَ يَبْكِي وَيَتَوَّبُ
فِي كُوسُوفَا سَوْفَ تَبْقَى ذِكْرَيَاتٌ … بِحِبْرِهَا الأَيَّامُ تَخْفِقُ وَتُلْهَبُ
وَعَلَى ضِفَافِ النِّيلِ تَبْقَى رُوحُ مَنْ … أَحْبَبْتُهُمْ وَبِقُرْبِهِمْ أَتَطَيَّبُ

يَا رَبِّ فَارْحَمْ مَنْ مَضَى فِي ظِلِّكُمْ … وَاجْعَلْ جِنَانَ الخُلْدِ فِيهَا يَذْهَبُ
وَاحْفَظْ بِمِصْرَ وَكُوسُوفَا أَهْلَنَا … وَاجْعَلْ لَنَا فِي الصَّالِحَاتِ مُرَتَّبُ

الخاتمة: قصيدة من القلب
هذه الكلمات المتواضعة هي تعبير صادق عن مشاعر الوفاء والحب التي تكنها قلوبنا في كوسوفا للعالم الجليل الدكتور محمد إبراهيم الفيومي، ولمصر العزيزة التي احتضنتنا، وللأزهر الشريف الذي علّمنا. هي ليست مجرد قصيدة، بل هي وثيقة وفاء، وعهد على أن تبقى هذه العلاقة العلمية والأدبية والدبلوماسية خالدة في الذاكرة، تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.

رحم الله العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وحفظ مصر وأهلها، ورزق كوسوفا الأمن والاستقرار والازدهار.

خاتمة
تُظهر هذه الدراسة أن الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي يمثل نموذجًا متميزًا للمفكر الأزهري الذي استطاع أن يجمع بين عمق التكوين التراثي والانفتاح الواعي على الفكر المعاصر. فقد أسهم من خلال أبحاثه ومؤلفاته ومحاضراته في بناء خطاب فكري متوازن يربط بين الفلسفة الإسلامية وقضايا الإنسان المعاصر، ويعيد الاعتبار إلى الدور الحضاري للفكر الإسلامي في مواجهة التحديات الفكرية والثقافية.
لقد تميز مشروعه الفكري بعدة سمات بارزة، في مقدمتها المنهج التحليلي النقدي في قراءة التراث الإسلامي، والاهتمام بدراسة الفلسفات الغربية ومقارنتها بالرؤية الإسلامية للإنسان والكون، إضافة إلى انخراطه العملي في قضايا الأمة الإسلامية والدفاع عن حقوق الشعوب المسلمة، وهو ما تجلى بوضوح في مواقفه الفكرية والإنسانية من قضية مسلمي البلقان وقضية كوسوفا.
كما تكشف مسيرته العلمية عن نموذج للمفكر الذي يجمع بين العمل الأكاديمي والرسالة الحضارية، حيث لم تقتصر جهوده على التدريس والبحث العلمي، بل امتدت إلى بناء المؤسسات العلمية، والمشاركة في المؤتمرات الفكرية الدولية، وتعزيز الحوار الثقافي بين الحضارات.
إن إرث الدكتور محمد إبراهيم الفيومي الفكري والعلمي يمثل إضافة مهمة إلى مسار الفكر الإسلامي المعاصر، ويستحق مزيدًا من الدراسة والتحليل من قبل الباحثين في مجالات الفلسفة الإسلامية والدراسات الفكرية. كما أن استحضار تجربته يسلط الضوء على الدور الحيوي الذي يمكن أن يؤديه المفكر المسلم في توجيه الوعي الثقافي والحضاري للأمة.
وفي الختام، يبقى الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي أحد أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث، ورمزًا للعالم الموسوعي الذي جمع بين الفلسفة والدعوة، وبين الفكر والعمل، فترك بصمة علمية وفكرية ستظل حاضرة في ذاكرة الثقافة العربية والإسلامية.
كاتب الدراسة:
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر
E-mail: albapres@hotmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى