كرة القدم و رمزية “وحدة الشعوب العربية”

كرة القدم و رمزية “وحدة الشعوب العربية”
بقلم: سهام حسين القحطاني
بلاد العرب أوطاني**
من الشام لبغدان
ومن نجد إلى يمن**
إلى مصر فتطوان
قد تنشغل الشعوب العربية بهمومها ومسار يومياتها وأحداثها وتقلبات الدهر والمعيشة و الاقتصاد و الازدهار وحينا بالخلافات التي تظل قشورا تطير مع الريح فلا يبقى سوى الوجه الأصلي لقيمة العروبة و رواسبًا تذوب مع المطر فلا يبقى سوى القيمة الأصيلة للعروبة،
هكذا هم الشعوب العربية عند الأزمات تتوحد في الألم فيعود الضوء الساطع لمفهوم حقيقة وحدة الشعوب العربية، وعند الفرح والانتصار تذوب قشور الحدود وتتلاشى مسميات الدول ويظهر للعالم قوة وحدة الشعوب العربية وتوحدها الوجداني؛ فيصبح القلب واحدا والصوت واحدا والفرحة واحدة، إنها الدلالة الحقيقية أن الشعوب العربية رغم كل التحديات هي عروة وثقة لا يمكن أن ينقطع عهدها وإن ارتخى ميثاق ذلك العهد حينا وحينا.
إن كرة القدم اليوم أصبحت من أهم مؤشرات وحدة الشعوب العربية فترى الشعوب العربية عندما يلعب منتحب عربي مع منتخب أجنبي، تذوب الخلافات وتختفي القشور وتتلاشى المشاحنات فتتوحد الأصوات والهتافات والشعارات وتعلو نبرات التشجيع والتحفيز وكأن الجميع أصبح واحدا وعند الفوز ترى جميع الشعوب العربية تتوحد فرحا داخل المنتخب العربي المنتصر.
إن هذا التوحد مع المنتخب العربي المنتصر يتجاوز الدلالة الانفعالية كالفرح و البهجة بل يتجذر في اللاوعي المشجع العربي بتحول هذه الدلالة الانفعالية إلى “قيمة” تشمل القدرة و التحدي وعلو الاعتبار؛ وهنا تنتقل قيمة الفوز من التصنيف الفردي كمسمى لدولة المنتخب العربي الفائز إلى التصنيف الجمعي المشمول بقيمة الهوية في عمومها العرب.
إن كرة القدم العربية تقدم اليوم نموذجا لكل من ظن أن وحدة الشعوب العربية في زمن العولمة و ضياع الهويات القومية وإذابة الوحدة العرقية باسم الفضاءات المفتوحة و تحول الفرد من مستوى العقد الاجتماعي إلى مستوى الإنسان العالمي الذي يكسر معه حدود التصنيف و القومية و الهوية العرقية و اللغوية، أقول إن كرة القدم العربية اليوم تقدم نموذجا حيّا لوحدة الشعوب العربية ليس بالمفهوم الفكري و الأدبي الذي قدمه لنا المفكرون القوميون العرب في القرن العشرين ومن سار على منهجهم من شعراء وكتّاب و الذي تهاوى على أعتاب التحديات، بل بالمفهوم الشعبي الذي يقوده الشباب العربي في كل الدول العربية.
فالشباب العربي اليوم والذي يشكل أكثر من النصف من نسبة المجتمعات العربية هو الذي يقود اليوم مفهوم وحدة الشعوب العربية بفكرهم الواقعي الذي يحب الحياة بعيدا عن التعقيدات الفكرية والعيش خارج منطق الواقع وفعالياته.
لقد نجحت الشعوب العربية من خلال كرة القدم وخاصة الشباب في تشكيل مفهوم جديد لوحدة الشعوب العربية قابلا للتطبيق وموافقا للواقعية وحيّا على أرض الملعب وأمام شاشات المباريات، وهو ما عجز عنه قديما المفكرون القوميون.
فالشعوب العربية رغم كل الحدود هي قلب واحد، فالسعودي يفرح للمصري عند يفوز و يعتبره فوزا للسعودية ويفرح للمغربي و يعتبره فوزا للسعودية وهكذا تتداول قيمة الفوز بين المنتخبات العربية و تذوب حدود التصنيفات في الذهن الجمعي الشعبي العربي، فقيمة التحدي هو فوز الهوية العربية التي تتمثل من خلال المنتخب المصري أو المغربي، و هكذا تتلاشى تصنيفات المسميات لتبقى رمزية الهوية هي المنتصرة دائما رغم كل الزوابع التي تحملها فناجين الورق.
فالوحدة العربية حقيقة وليست وهما رغم الغروب الذي يغطي شمسها، وسيأتي يوما ما ستتحرر تلك الشمس من غروب الشتاء.



