عادات شامية……العتبة العتيقة

عادات شامية……العتبة العتيقة
متابعة نجاة احمد الاسعد
من بين العادات الشامية القديمة التي لا تزال عالقة في الذاكرة الشعبية، عادة تحمل اسمًا غريبًا ومثيرًا: “العتبة العتيقة”.

فالعتبة العتيقة هي طقس قديم كان أهل الشام يمارسونه عند الانتقال إلى بيت جديد. فور دخول الأسرة بيتها، كان أول ما يفعلونه هو ذبح خروف أو دجاجة عند عتبة الدار. يسكب دم الذبيحة على الأرضية الأولى للمنزل، وكأنها رسالة قوية تقول: “هذا البيت محمي، وهذا البيت عامر بأهله”.
وقد ارتبطت هذه العادة باعتقاد شعبي أن الدم المسفوك يجلب البركة، ويبعد الشرور، ويحفظ أهل البيت من الحسد والنحس. بل إن بعض الأهالي كانوا يضيفون عادة رشّ الملح والماء عند العتبة بعد الذبح، ليكتمل الطقس بطرد العين والحسد.
ولم يكن الأمر مجرد عادة عابرة، بل طقس اجتماعي كامل ، الجيران يجتمعون، والأطفال يراقبون بفضول، والنساء يجهزن الطعام من لحم الذبيحة لتُوزَّع على الفقراء والجيران. هكذا تحولت “العتبة العتيقة” إلى مناسبة جماعية، تحمل في داخلها قيماً من الكرم والتكافل.
أما عن البُعد الرمزي، فالعتبة نفسها في البيت الشامي القديم لم تكن مجرد عتبة حجرية؛ بل كانت حدًّا فاصلًا بين الداخل والخارج، بين الخاص والعام، بين الأمان والتهديد. ولذلك، كان من الطبيعي أن تختار المخيلة الشعبية “العتبة” مكاناً لطقوسها، لأنها تُعلن بداية حياة جديدة، وباباً يُفتح على مستقبل آمن.
ومن الطريف أن بعض كبار السن كانوا يقولون: “البيت اللي ما اندبح على عتبته… ما بيتهنّى أهله فيه”. هذه العبارة تختصر إيمانهم العميق بأن الدم رمز للحماية والتثبيت.
وقد اختلفت صور هذه العادة مع الزمن؛ ففي بعض الأحياء كان يكفي ذبح دجاجة صغيرة، وفي أحياء أخرى لا يرضون إلا بخروف كامل. وفي كلتا الحالتين، كان اللحم يُوزع ليكون أول ما يخرج من البيت الجديد صدقة للفقراء. وهنا نلمس كيف امتزج المعتقد الشعبي بالدين، فصار الدم حمايةً، واللحم صدقةً، والبيت عامراً بالخير.
ورغم أن هذه العادة لم تعد شائعة اليوم، إلا أنها ما زالت محفوظة في الذاكرة الشعبية كرمز للأصالة، وكدليل على علاقة الإنسان الشامي قديما بالبيت والجار والحي. فالبيت لم يكن جدراناً فقط، بل كياناً حيّاً يحتاج إلى طقس استقبال، مثل الإنسان الذي يولد فيُعقّ عنه بذبيحة.
اعزائي المستمعين
فالعتبة العتيقة ليست مجرد عادة من الماضي، بل هي قصة عن إيمان الناس البسطاء بالبركة، وتعلقهم بالبيت كحلمٍ بالحماية والاستقرار. ربما اندثرت هذه العادة لكن الفكرة بقيت: أن البيت الجديد يحتاج إلى لمسة خير، وإلى نفحة حب، حتى يعمّه الدفء والطمأنينة.
فيا ليتنا نتعلم من أسلافنا، لا لنذبح على العتبات، بل لنحيي قيم التضامن، ومشاركة اللحظة مع الأهل والجيران، لأن تلك هي العتبة الحقيقية لكل بيت سعيد.
وختامًا
كانت هذه رحلتنا مع عادة شامية قديمة تحمل الكثير من الرموز والمعاني.
نلتقيكم في حلقة قادمة مع عادة جديدة من تراثنا الأصيل.
دمتم بخير وإلى اللقاء.
بالفيديو شاهد عادات شامية بعنوان العتبة العتيقة
https://www.facebook.com/share/v/1BtE4heG1k/



