الاخبارية mbcثقافة ومنوعات

جيل “Z” رقميون بلا هوية

جيل “Z” رقميون بلا هوية

بقلم: سهام حسين القحطاني

لكل زمان جيله الذي يأتي ومعه ثقافته الخاصة،و يظل الإطار الوصفي لكل جيل مرتبطا بوسيلة الثقافة لا بظرفية الجيل في المطلق، فظهور الصحافة خلقت جيلها الذي اتصف بالقراءة و الفكر العميق فكانت مساحة التأمل واسعة و متشابكه و متمردة، وقد أسس هذا الجيل أعظم النظريات العلمية و الفكرية.

ثم ظهرت السينما التي خلقت جيلها الذي ربط مفاهيمه الثقافية بالصورة وأصبحت تحولا للثقافة من الفهم العميق الفكري إلى فهم مصدره الواقع ، فالفكر ليس فلسفة بل أصبح كل ما هو واقعي يمثل فكرا وليس كل فكر قد يمثل واقعا، هذا التبادل بين موقعي النظرية والتمثيل، أنتج جيلا واقعي التفكير محدودي الخيال.

ثم ظهر التلفاز الذي هو أيضا بدوره خلق جيله الخاص، جيل تميز بثقافة متنوعة معتز بهويته الوطنية والعربية؛ إذ كان كل ما يقدم عبر برامج التلفاز والمسلسلات مبني على رؤى تربوية تحفظ وحدة الأسرة وأخلاقياتها.

ثم ظهرت الثورة الإعلامية وانفتاح السموات الفضائية على بعضها البعض و ظهور الانترنت و ما استتبعه من مواقع التواصل الاجتماعي، هذه الثورة الإعلامية خلقت بدورها جيلها الخاص وهو ما يعرف اليوم بجيل “Gen Z”.

ويعرفون بأنهم “الرقميون الأصليون” وهو مواليد 1979 إلى 2012.

أي الذين نشوا في بيئة رقمية ولم يعاصروا ما قبل عصر الأنترنت

إن المراهقين و الشباب اليوم يمثلون غالبية المجتمعات وخاصة المجتمعات العربية وهذه الغالبية تعني أن الجغرافية الاجتماعية الأوسع اليوم هم من “جيل زد”.

هذا الجيل الذي غيّر أنماط الثقافة بل أعاد تأسيس إطارها الوصفي والضمني، فتحول كل شيء من ورقي إلى رقميّ لضمان اندماجه مع الجيل الجديد كونه هو الجمهور الجديد المستهدف بدءا من الأدب وفنونه ووصولا إلى التعليم والفنون.

لنجد أنفسنا أمام أوعية معرفية وثقافية بأنماط جديدة سواء على مستوى وسائل الاتصال والتواصل أو المحتوى المعرفي في ذاته أو حتى في اللغة الرسمية لهؤلاء الرقميين.

فالمعلومة لم تعد تتصف بالعمق بل بالمباشرة التي لا تحتاج إلى تحليل فكري، بل تتصف بالبساطة و الوضوح الشديد و الإيجاز وهي صفات تتوافق مع وظائف الرقمنة التي سهلت الحصول على المعلومة بسرعة و إيجاز و بساطة.

وهذه الصفات سهلت أسلوب التعليم و التعلّم لدى هذا الجيل و اختصرت له مراحل البحث، وفي ذات الوقت أطرت هذا الجيل بالنفس القصير المعرفي، وهو ما أثر على صحة المعلومة وانتشار الكثير من المغالطات الفكرية بين أبناء هذا الجيل، وغياب أصول المنهجية

و سهولة تلقي المعلومة و تنوعها أسرعت بقصر حياة المعلومة ذاتها، وأصبحت الذاكرة المعرفية لهذا الجيل ذاكرة قصيرة المدى ومعلوماتها سريعة التبخر، وهو مع التقادم لا يمكن أن تصنع له “أرشيفا ثقافيا أو فكريا”، أضف إلى ذلك أن مميزات هذا الجيل المعرفية مرتبطة بمميزات الوسائط الرقمية أكثر من ارتباطها بمميزاتهم المعرفية الخاصة، وطبيعة هذا الارتباط تُسقط خطوط التمايز و الاختلاف و تُصعب تصميم سلالم تقدير تقيس قدرة الاختلاف و الإضافة و مساحة الإبداع ؛إذ يظل الوسيط الرقمي أو الرفيق الرقمي هو المتحكم في طبيعة المنتج.

والأمر لا يقتصر على صعوبة فصل طبيعة الإبداع بين قدرة الفرد أو مميزات الوسيط الرقمي، بل يتجاوز إلى ماهو أهم أي؛ “خصائص الهوية المتعلقة بهؤلاء الرقميين “.

إن العالم الرقمي هو عالم مفتوح بلا حدود، هذا العالم الذي ذوّب فروق الهويات بين الرقميين، فأصبحت الهوية الرقمية هي الهوية الرسمية لهؤلاء ومعها ظلت الهويات المحلية و القومية و التاريخية مجرد ظلا باهتا لا يٌكاد يُرى بالعين المجردة، وهذا على المدى البعيد يهدد خصوصية الهويات و أصالتها، و الإيمان بالانتماءات الوطنية ،كما أن العادات المعرفية له تهدد السلم الاجتماعي؛ لأنهم يثقون بأي معلومة و يعيدون نشرها و تضخيمها وهو ما يوسع مجال الشائعات و الخلافات والتنمر و العنصرية.

فالرقميون فئات تائهة بين الوسائط الرقمية وطقوسها ذات هوية خوارزمية لا يمكن أن تحدد لهم إطار هوية حقيقة في عالم افتراضي يشبه عالم الحكايات الذي يمتزج فيه الواقع بالخيال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى