الاخبارية مباشرثقافة ومنوعات

النرجسية على طريقة المبدعين

النرجسية على طريقة المبدعين

بقلم: سهام حسين القحطاني

وما الدهر إلا من رواة قصائدي
إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا “المتنبي”

هل كل مبدع نرجسي؟ وقد يتبادر هذا السؤال إلى الذهن باعتبار الإبداع صيغة ذاتية المركزية تحيط بعظمة الدلالة حول شخصية فاعل الإبداع، كونه مالكا لصفة استثنائية تمنحه خصوصية تختلف عن الآخرين.

وكان العرب في العصر الجاهلي كما يقول ابن رشيق القيرواني “أن القبيلة إذا نبع فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها”.

وقد أحاطت بالشاعر خصوصية تكاد تكون “خارقة”؛ شاعت عند العرب قبل الإسلام وهي قدرته على التواصل مع “الجنّ” وأن لكل شاعر قرينا من الجن يعلّمه الشعر ولعل هذه الشائعة أوثقت دائرة خصوصية العظمة عند الشاعر وكثفت من نرجسيته.

وكان الشاعر مستثنى من الالتزام بالنظام اللغوي، فيُباح له مالا يٌباح لغيره” من قفز فوق سلطة قوانين اللغة، مضيفا بذلك القفز خصوصية ثانية بعد خصوصية الاستثنائية البشرية.

ومن هنا تشكلت “نرجسية الشاعر خاصة”، نعم أن كل مبدع يمتلك نصيبا من النرجسية لكن تلك النرجسية عند الروائي تتشتت بين شخصيات روايته والرسام بين ألوانه والموسيقي بين نغمات ألحانه، فلا مركزية أحادية للنرجسية سوى للشاعر.

والنرجسية قد تخلق عند الشاعر علاقة “توكسيك” عندما يقع في الحب، وهنا سوف أشير إلى قصتين في هذا المجال، قصة حب “مي زيادة وجبران خليل جبران”، و”غادة السمان وغسان كنفاني”

أحب جبران “ميّ زيادة” كونها الرمز الذي تخلق له فضاء الإلهام الإبداعي، الرمز الذي استغل طاقته وحيويته الإبداعية لتوسيع ثروته الإبداعية ،في حين أحبت مي زيادة جبران الرجل الذي وجدت فيه احتواء لذاتها ليس كأنثى كما اعتادت بل لأنها إنسان، وهنا حدث الاصطدام الوجداني بين رومانسية مي زيادة الصافية و رومانسية جبران النرجسية و التي جعلت كل منهما في نهاية المطاف نقطة تقاطع حادة انتهت بألم.

فقد وقعا في صراع بين نرجسيتين، النرجسية الصامتة التي كانت تمثلها مي زيادة والتي كانت تظهر في علاقتها بالأدباء الذين كانوا يحيطونها والنرجسية الصاخبة التي كان يمثلها جبران، في إحدى رسائل جبران إلى مي زيادة يقول “.. لم يخطر على بالي بأنك شريرة، أما الآن وقد صرحت لي بوجود الشر في روحك..ولكن أسمحي لي أن أقول مهما تماديت بالشر، فأنا شرير كالأشباح الساكنة في كهوف الجحيم”-كتاب الشعلة الزرقاء، تحقيق سلمى الحفار”.

أما قصة حب غادة السمان والكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، لقد أحبت غادة غسان الرمز المناضل والمرأة عادة تميل إلى الرجل البطل فما بالك بامرأة مختلفة متمردة مناضلة بذلك الاختلاف والتمرد وفق معايير عصرها، وهنا نرى وجه الشراكة بين غادة السمان وغسان كنفاني رمزية النضال.

وفي المقابل أحب غسان غادة في صمت، وكأن التصريح بالحب يضر بشخصيته كقائد و مناضل،كما أن النرجسي لا يتشارك مع امرأة ذات خاصية نديّة تسحب منه الضوء، بل مع امرأة تُكثف نرجسيته وتبقى في الظل.

وقد أوضحت غادة السمان علاقته “التوكسيك” مع غسان “أعلم أنك تفتقدني لكنك لا تبحث عني، وإنك تحبني ولا تُخبرني و ستظل كما أنت، صمتك يقتلني..لا يعنيني شعورك العظيم الذي تكنه لي إن كنت تتصرف على عكسه تماما”.

إن الإبداع قيمة مضافة لإنسانية الشخص، قيمة مرتبطة بحاصل فعل الإبداع ذاته.

والاحساس بهذه القيمة له مخاطره فقد يحول المبدع إلى رمز تنويري أو إلى شخصية نرجسية.

فالنرجسية حيلة نفسية تخلق للأنا “قوة كلية” بالمفهوم الفرويديّ، كما حول المتنبي الدهر إلى منشد لشعره، ونسعى بها إلى الكمال من خلال رمزية المُخلص كما عند أبي فراس الحمداني وهي التعبير عن “إرادة القوة” بمفهوم نيتشه، كما جعل الحلاج ذاته مصدر الحق والمعرفة

إن النرجسية قناع ضاحك خلفه وجه عابس وذات متوحشة وهنا تكمن خطورة النرجسي أنك لا يمكن اكتشافه إلا بعد تعرضك لعضته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى