الاخبارية mbcثقافة ومنوعات

الحياة بعيون موسيقية

الحياة بعيون موسيقية

بقلم : سهام حسين القحطاني

“وما نحن سوى نوتة موسيقية”!

ارتبط الغناء منذ التاريخ الأول للإنسان بيومياته الحياتية فقد كان رفيقه في كل شؤونه يصاحب الرجل في الحقل في مواسم البذر و الحصاد و يصاحب المرأة في أعمال البيت و في تهويدات الأطفال أثناء النوم لإحاطة عالم ذلك الطفل الواسع من الإحساس بالذات بالأمان،ثم تطورت لتُصبح معرفة تملأ فراغ ذلك الطفل بدلالة الواقع وحيويته .

وهكذا ينمو الطفل حاملا ذاكرة موسيقية دافئة بالأمان و الارتباط باحتواء أموميّ مجازي، ولذا ترتبط التهويدات في اللاوعي الطفولي بالأمان و الاحتواء و الأمومية وهم كبار ولكن في دلالة موسيقية لا تٌعقل ولكنها تٌفهم و تٌحس.

وكلما تطور فكر الإنسان تطورت قصدية تلك التهويدات لتُصبح علمًا مبنيا وفق مبادئ سيكولوجية لكن بصباغة موسيقية.

وكان الغناء في صياغاته الأولى مصدر تحفيز للمثابرة و الصبر على التعب، ثم أضيفت له معنى الفرح عندما توسعت دلالاته ومؤشراته وظلت هذه الدائرة تتسع حتى أصبحت حياة مستقلة في ذاتها بعيون موسيقية ،ثم تطور الغناء من كونه معنى ودلالة حتى صار فنا مستقلا له كلمات خاصة وموسيقى خاصة وليخرج من اليوميات شاملًا العلاقات.

ارتبط تاريخ الغناء بالأهازيج الفردية سواء كتصفير أو تصفيق أو همهمات أو كلمات مسجوعة، لتتطور هذه الكليّة فيما بعد بالانفصال؛ ففُصلا التصفير و التصفيق ليتحولا إلى مجاز موحِ لنشأة الآلات الموسيقية و فُصلت الهمهمات لتصبح ارهاصة في تاريخ تأليف النوت الموسيقية و تستقل الكلمات المسجوعة لتصبح ارهاصة للشعر الغنائي. 

ومن العجيب أن الأهازيج لم تكن مصدر تحفيز ونشاط للإنسان فقط بل وللحيوان أيضا ومن هنا نشأت “أهازيج الحُداء” التي كان يغنيها العربي للجمال لتسرع في مشيها،ويقال أن “مضر بن نزار” عندما سقط من فوق جمله فانكسرت يده فصاح قائلا”وايده وايده”بطريقة الترنيم وعندما سمعت الإبل صوته بدأت تسير في نشاط،وهكذا استنسخت العرب نمطه “هايدأ هايدأ يحدون به الأبل” لتحفيزها على المشي.

وفي العصر الحديث ظهر نوع من الموسيقى أٌطلق عليها”علم موسيقى الحيوان” وتعتمد على تقليد أصوات الحيوانات،وقد اثبتت هذه الموسيقى أن كلما تشابهات نغمات الموسيقى مع صوت الحيوان زاد هدوء.

كما اثبتت الدراسات الحديثة أن للموسيقى الهادئة تأثير إيجابيا في منح طاقة النماء للنباتات فهي تحفز حركة مادة “البروتوبلزمية” داخل خلاياها.

يعتبر الغناء في صورته الموسيقى من أقدم أنواع التعبير الإنساني ويمكن القول بأنه كان ممثلا للسجل المعرفي لشعوبه معرفة بصيغة موسيقية.

وإذا عدنا إلى العرب و المسلمين سنجد أن مفهوم الموسيقى خرج عن كونها مجرد أهازيج لتُصبح علما مستقل بذاته في العصر العباسي،ويعتبر نصر الدن الفارابي المؤسس الأول لفن الموسيقى في التاريخ الإسلامي من خلال كتابه “الموسيقى الكبير” كما أنه مخترع “آلة القانون”.

أما ابن سينا فقد رسم منهجا نفسيا للنغمات الموسيقى وفق تسلسل زمني فكل قسم من يوم الإنسان يحتاج إلى نغمة معينة؛ فالصبح الصادق تعزف له “نغمة حٌسيني” وهي نغمة تستخدم في التواشيح والابتهالات وفي الشروق تُعزف نغمة أو مقام “راست” ويلقب “بأبي المقامات” وهكذا يظل تسلسل النغمات وفق التقسيم الزمني لليوم حتى النوم وينصح ابن سينا باستخدام “نغمة أفكند” وهي نغمة شجية، وبذلك فابن سينا أول من أسس لمفهوم “موسيقى ما قبل النوم”.

ويصنف “صفي الدين عبد المؤمن “دلالة التسلل النغمي للواقع المعيشي اليومي للإنسان فمنها ما يصّدر طاقة الحماس والشجاعة للمرء مثل نغمات أو مقامات” عشاق ونوى وبوسليك” ومنها ما يفرز طاقة الانبساط و السعادة وهي نغمات”عراق و أصفهان ونوروز” ومنها ما يجعلك تشعر بالحزن و الفتور مثل نغمات”بزرك وراهوى”.

وبذلك فصفي الدين وابن سينا أسسا الجذور الأولى لِما هو معروف اليوم بمصطلح “للموسيقى التصويرية”.

ويعتبر “أخوان الصفا” الموسيقى في ذاتها علاجا ولذا كان لهم موسيقى خاصة يعزفونها ليلا يعتقدون أنها تحفف الألم و تشفى من المرض،ولهم مصطلح خاص بهم وهو “موسيقى الأفلاك” فهو يروا أن الكواكب و الأفلاك عندما تتحرك تُنشي ألحانا معينة، وأن تلك الألحان بنغماتها تؤثر على أمزجة وأجساد البشر،ولذا أنتجوا نوتة موسيقية تٌعزف بالتوافق أو تحارب نغمات الكواكب و الأفلاك.

إن للموسيقى لعنة جمال تسحرنا دون تعويذات وتحلق بنا في فضاء لا نهائي من الخيال دون أجنحة، وتطفو بنا فوق قمر منسوج من الحلم دون مركبة قضائية،وتٌسيرنا فوق الماء دون معجزة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى