الاخبارية مباشرثقافة ومنوعات

زمن القيل والقال… حين تُشعل الأخبار نار الفتنة باسم المحبة

الإخباريّة مباشر

زمن القيل والقال… حين تُشعل الأخبار نار الفتنة باسم المحبة

محمد أحمد أحمري

صرنا نعيش زمنًا مثقلًا بالقيل والقال، زمنًا تختلط فيه الحقيقة بالظنون، وتُستبدل فيه القيم النبيلة بسلوكيات تهدم أكثر مما تبني. زمنٌ أصبحت فيه الكلمة أداة محاربة، والحديث وسيلة كره وبغض، تُوجَّه نحو الأعمال والإنجازات لا لتقويمها، بل لإسقاطها، ولا لتصحيحها، بل لتشويهها والطعن في أصحابها.

في هذا الزمن العجيب، لم يعد الهجوم مباشرًا فقط، بل صار ملتفًا، ناعمًا في ظاهره، قاسيًا في أثره. تُعاد القصة الواحدة بصيغ مختلفة، وتُغيَّر الألفاظ، وتُبدَّل النوايا، حتى يبدو الباطل حقًا، ويُقدَّم التشويه على أنه “نقل للواقع”. ومع كثرة التكرار، يترسخ الكلام في الأذهان، لا لأنه صحيح، بل لأنه قيل كثيرًا.

الأخطر من ذلك كله، أننا لم نكتفِ بالقيل والقال والمحاربة والتشويه، بل جاءنا من ينقل الأخبار بداعي المحبة والحرص، وهو لا يعلم – أو يتغافل – أن ما يفعله ليس إلا زيادة في اشتعال النار. ينقل الكلام قائلًا: “أحببت أن أُخبرك”، أو “من باب النصيحة”، أو “حتى تكون في الصورة”، دون أن يدرك أن نقل الحديث في حد ذاته يوسّع دائرة الفتنة، ويمنح الشائعة حياة أطول وأثرًا أعمق.

كم من علاقة توترت، وكم من قلوب تباعدت، وكم من أعمال تعطلت، لا بسبب خطأ حقيقي، بل بسبب خبر منقول، وكلام مُعاد، ونوايا أُسيء تفسيرها. فليس كل ما يُقال يُنقل، وليس كل ما يُنقل يُصدق، وليس كل ما يُقال بدافع المحبة يكون خيرًا. فالمحبة الحقيقية تكمن أحيانًا في الصمت، وفي قطع الطريق على الكلام، لا في ترويجه وتضخيمه.

تشويه سمعة الآخرين أصبح للأسف ممارسة سهلة في زمن المنصات المفتوحة، حيث تُطلق الاتهامات بلا دليل، وتُبنى الأحكام بلا تحقق، ويُدان الأشخاص في محاكم افتراضية لا تعرف العدل ولا الرحمة. يُحارب العمل لأنه ناجح، ويُستهدف المجتهد لأنه تقدّم، ويُساء الظن بالمخلص لأنه لم يشبه الآخرين.

ومع كل هذا الضجيج، يبقى العمل الصادق هو الميزان الحقيقي، وتبقى الأخلاق هي الفاصل بين من يزيد النار اشتعالًا ومن يسعى لإطفائها. فالعاقل لا يكون وقودًا للفتن، ولا ناقلًا لكل ما يسمع، ولا شريكًا في تشويه سمعة غيره، ولو بحسن نية. لأن النية الحسنة لا تبرر فعلًا سيئ الأثر، ولا تمحو ضررًا يقع على الآخرين.

إنه زمن العجائب بحق، زمن يحتاج منا إلى وعي أكبر، وحكمة أعمق، ومراجعة صادقة لأنفسنا قبل كلماتنا. أن نسأل: هل فيما نقوله خير؟ هل فيما ننقله إصلاح؟ هل سنطفئ نارًا أم نشعلها؟ فبهذه الأسئلة فقط يمكن أن نحفظ ما تبقى من القيم، ونحمي الأعمال من التشويه، ونصون القلوب من الكراهية والبغض.

وفي النهاية، ستسقط كل الأقوال، وتبقى الأفعال، وسينكشف زيف القيل والقال، ولو طال الزمن. أما من اختار أن يعمل بصدق، ويصمت بحكمة، ويبتعد عن إشعال الفتن، فسيبقى أثره نقيًا، شاهدًا له، في زمن كثرت فيه العجائب وقلّ فيه الاتزان.

 التعليق والمشاركة عبر صفحة الفيسبوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى