ثقافة ومنوعات

التاريخ.. ” الجندي المجهول”

التاريخ.. ” الجندي المجهول””

بقلم: سهام حسين القحطاني
التاريخ ليس أحداثًا وقعت في الماضي بل هو خلفية متحركة لحيوات انقضى زمنها وبقي أثرها لتتعلم كل أمة من الأمم التي سبقتها؛ لعلها لا تقع في ذات الفخاخ ولا تكرر ذات الأخطاء و الخطايا، لكن يظل غرور الإنسان كلما ارتقى فكره بأنه يملك بصر و بصيرة و وعيًا أقوى ممن سبقه تحميه من الوقوع في ذات الفخاخ و تكرار أخطاء وخطايا الماضي، لكن ثمة ما يغيب عن غرور الإنسان “المُحدث فكريا” أن الطبيعة الإنسانية لا تتغير مهما ارتقت؛فالخطايا السبع تزداد قوة كلما ارتقى فكر المرء بأشكال و مبررات جديدة في كل زمن.
أن التحولات الصانعة للحقب التاريخية هي أثر للعوامل التي تعرضت لها الأمم على مستوى التغييرات المختلفة سواء المحفزة أو الحاصلة لتلك التغييرات.
فالحقب التاريخية هي كينونة حيّة في ذاتها مهما طال عمرها فلها “زمن افتراضي” قابل للانتهاء، أو التجديد وهنا يأتي دور “منظومة العلل” التي تساعد على تجديد الصلاحية أو انتهاء تلك الصلاحية فتهوي من فوق قمة الهرم الذي رسمه ابن خلدون للمدى الزمني لتاريخ الشعوب.
ويعتبر ابن خلدون أول من لفت الانتباه إلى ثنائية “الزمن والحدث” في التاريخ وإن لم يستعرضها فكريا، ولعل انشغاله بالتطبيق سيطر على اهتمامه بتشكيل إطار نظري لتلك الثنائية.
إن قياس التاريخ بالزمن يلغي أثر الحدث كمكون للعلل، وقياسه بالحدث يلغي أثر المدى الزمني كعامل تغير مؤثر ومكون في ذات الوقت للعلل.
فالأحداث الكبرى تصنع تاريخا، وأحيانا التغييرات البطيئة المستمرة على المدى الزمني الطويل تصنع تاريخا بالتدريج وأن لم يصاحبها الحدث الأعظم، وهذا الاتجاه تبناه “فيكو” في نظريته نظام التاريخ الأبدي، بأن التطور كمفهوم للمدى الزمني هو المتحكم في صناعة التاريخ وليس الحدث، وبذلك استطاع أن يصنع للتاريخ بنية حية من خلال النسيج الحضاري المتحرك.
إن معرفة عوامل تطور الشعوب و تدهورها في رأيه يحمي الأمم من الوصول إلى حالة الانهيار من القمة أو يُطيل المدى الزمني لحضارة الأمم و تألقها.
فقد اعتمد فيكو في نظريته على النمط العقدي والسلوكي للشعوب من خلال “الدين و الزواج و دفن الموتى” واختار هذه الأنماط كونها النمط المشترك بين الشعوب وكون رصد عامل التغير الحاصل لها وفق المدى الزمني الممتد قابلا للضبط و القياس، ويُمكّن من استقراء تطور تلك الأنماط في مسار يركز على نشأة هندسة التنظيمات الاجتماعية وتطورها وفق الحقب.
وهذا لا يعني أن الحدث لا يمثل تحولا تاريخيا، لكن ليس كل حدث ممثلا لحقبة تاريخية، فالحدث لا يعتبر حدثا تاريخيا إلا إذا كان حاصله تغيرا يؤثر على البشر إي على مستوى الانتقال أو الانتهاء بما يخلق أشكالا و إجراءات جديدة للأنماط السابقة.
فالحدث التاريخي ينتقل من كونه العابر إلى المؤثر، إذا خلق لذاته “آلة تسيطر على البشر،وتغير أنماطهم السلوكية و العقدية”.
فاكتشاف الآلات المصانع كان حدثا تاريخيا أثر في تحول البشرية من عصر إلى عصر، مثل ما سيحدث قريبا من تأثير الذكاء الاصطناعي من انتقال البشرية من عصر إلى عصر.
إن بناء المصانع كان حاصله نمو النقابات العمالية وخروج المرأة للعمل،وهكذا كلما تغيرت آلة التحكم في مسار الإنسان ظهرت حقبة تاريخية جديدة بأنماط سلوكية جديدة.
إن التاريخ لا يهتم بتقديم الحقيقة فهو يمثل الشرير في رواية أحدهم و يمثل الخيّر في رواية الأحد الآخر،بل بتحليل حركة التطور و التدهور عبر مسار مدى زمني وفق منظومة من العلل؛ ليتعلم الإنسان من أخطاء سابقيه فلا يقع في ذات الفخ،لكن لا ولن يتعلم الإنسان من التاريخ، حتى تجري السنن وفق ما قُدّر لها.فالحاضر ماهو سوى نسخة ملونة من الماضي والمستقبل نسخة مرقمّنة من الماضي، فالتاريخ ذلك الجندي المجهول الذي يُؤثر ولا يُرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى