الإبداع في زمن الذكاء الاصطناعي

الإبداع في زمن الذكاء الاصطناعي
بقلم: سهام حسين القحطاني
كلنا يا عزيزي مبدعون!.
هل كانت تتخيل الإنسانية أنه سيأتي زمنا يُلغى “ثابت الموهبة” ليستطيع كل فرد امتلاك الإبداع كما يمتلك السلع الحياتية؟.
هل أخيرا تحقق حلم الإنسان وأصبح الإبداع متاحا للجميع في زمن الذكاء الاصطناعي؟.
فما عليك إلا أن تطلب من تطبيق “الشات جي بي تي” أن يكتب لك مقالة أو قصة ثم تكتب عليها اسمك وتنشرها وبذلك تُصبح عضوا في “نادي المبدعين” دون شرط الموهبة أو أي التزامات معرفية بخصائص الفن الإبداعي الذي تريد أن تنضم إلى ناديه، فأنت في زمن الذكاء الاصطناعي زمن المعجزات ولكن بمنطق آخر.
وهذا الأمر قد يعتبره البعض تطورا فكريا بالنسبة للإنسان فقد كسر حاجز عنصرية الموهبة التي كانت تقتصر على فئة من الناس دون غيرها وتدعي استحقاقات الوصاية المعرفية على من لا يمتلكون تلك الموهبة.
فاليوم من حق أي فرد أن يملك إبداعا باسمه خارج نطاق الموهبة عبر الذكاء الاصطناعي.
ومسألة الإبداع و الذكاء الاصطناعي لا يمكن النظر لها بعين واحدة،فهناك جانب إيجابي حينا لكل سلبي.
لاشك أن تدخل الذكاء الاصطناعي في نشأة الإبداع هو في باطنه ” تدمير للأدب الإنساني في وجوده الحيوي” و في ظاهره انتهاكا لحصانة الإبداع؛ لأنه يحول الإبداع إلى قوالب منزوعة من روحها الحيوية كالتجربة و الخبرة و المشاعر و الانفعالات، كما أنه يٌلغي روح اللغة التي هي جزء من تجربة المبدع و هي روح تختلف علوا وهبوطا من مبدع إلى مبدع.
إن قيمة النص الأدبي يعتمد على مثلث الإبداع “التجربة و اللغة و الخيال” هذا المثلث الذي يتفاوت فيه المبدعون و يقاس وفقه درجة إبداعهم و استحقاقاتهم التصنيفية،والذكاء الاصطناعي يوحد معايير ذلك المثلث وهو ما يجعل النصوص مثل الوجبات السريعة تتساوى في ذات الطعم،وذلك يعني على المدى البعيد غيابا لنهضة حقيقة للأدب الإنساني؛ بسبب تساوي معايير التقييم وانتفاء مقاييس مقارنة تطور الأدب عند الشعوب وضبطها.
فالنص الأدبي أو الإبداعي في مجمله ليس مجرد خصائص هندسية للبناء الإبداعي أو قوالب جاهزة توضع داخل فرن لتصبح قابلة للتناول الإبداعي، وهذا ما يفعله الذكاء الاصطناعي يحول الإبداع إلى وجبات سريعة لمجرد توفيره للخصائص و القوالب،مع غياب قيمة التأثير و الاستدامة.
يعتقد البعض أن الذكاء الاصطناعي يخلق لك إبداعا خاصا بك،وهذا غير صحيح،فكل ما يفعله من خلال ذاكرته أنه يجمع لك ما قد كتب عن الفكرة التي تختارها أو يستوحيها من أفكار آخرين و يعيد صياغة ذلك التجميع و الاستيحاء،و هو بذلك ينتهك الحقوق الفكرية لآخرين تناولوا ذات الفكرة.
أنا لست ضد الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في تعليمنا لكيفية الكتابة الإبداعية و التدريب عليها،لكني ضدّ أن يصبح بدل كل من كل للبشري الذي دوره هو كتابة اسمه فقط على المنشور.
وهنا يأتي الجانب المشرق للذكاء الاصطناعي فأنت تستطيع أن تستثمره فتحوله إلى مصدر تتعلّم منه المعرفة الإبداعية الخصائص و القوالب و تاريخ تطورها،كما تستطيع أن تستثمره “كمدرب فهيم”.
فاعتماد الفرد على الذكاء الاصطناعي في تحقيق حلمه أن يكون مبدعا قد يصقل “مهاراته الإبداعية” فالأبداع “قليل من الموهبة وكثير من المهارة”، وإن الموهبة بلا مهارات لا يمكن أن تصنع إبداعا.
،وهذا أمر رائع لو سار وفق ذلك الخط؛أي أننا يمكن أن نستثمر الذكاء الاصطناعي في تعلّم الإبداع و التدريب عليه أي خلق مهارات تنوب عن الموهبة،وإذا عدنا للتاريخ الأدبي سنجد أن هناك كتّاب يمتلكون مهارة الكتابة الإبداعية دون موهبة حقيقية مثل “أجاثا كريستي ومي زيادة و نزار قباني وأدونيس”.
لكن ما يحدث أن الكثير يتكاسل في أن يستثمر ذلك الذكاء في خلق مهارة إبداعية ليصبح مبدعا حقيقيا فيتعلّم و يتدرب، بل يكتفي بأن يحوله إلى جهاز لإنتاج وجبة إبداعية سريعة التجهيز،فهو يريد أن يكون مبدعا دون مشقة أو فكر، في زمن أصبح منطقه كلنا يا عزيزي مبدعون.



