Arabic newsCulture and varieties

كيف نصنع شهرة من لا شئ؟

كيف نصنع شهرة من لا شئ؟

“الروتين اليومي يتحوّل إلى عرض جماهيري”  

كتبت: زينب النجار..

لم تعد الشهرة اليوم تُبنى على الإنجاز أو الإبداع، بل على القدرة على تحويل أبسط تفاصيل الحياة اليومية إلى عرض جماهيري.  

المفارقة أن ملايين المتابعين، بعضهم من المثقفين والواعيين، يجدون أنفسهم أمام شاشة يتابعون شخصًا يفرش سريره، وسيدة تعد كمية كبيرة من وجبات الطعام ، وتقدّمها بطريقة مقززة…

 الفيديو الخاص بها يتجاوز 3 ملايين مشاهدة!

وأخر يروي خلافًا منزليًا عابرًا، وكأن هذه المشاهد تحوّلت إلى حدث يستحق المتابعة. 

وهناك من يقدّم محتوى يومي عن روتين المطبخ: ماذا طبخ اليوم، كيف غسل الصحون، وكيف رتّب الثلاجة.  

وهناك من يشارك روتين تنظيف البيت: كنس السجاد، مسح الأرضيات، ترتيب غرفة النوم وكأنها إنجاز عظيم.  

ومن الأمثلة الشهيرة على السوشيال ميديا: صانعي المحتوى الذين يملؤون صفحاتهم بمقاطع “روتين يومي” بلا أي قيمة، مثل فيديوهات إعداد الإفطار أو غسل الملابس، والتي رغم بساطتها 

تحصد ملايين المشاهدات.  

وفي أحد الفيديوهات، تظهر الزوجة وهي تنظف، تطبخ، وتعرض تفاصيل حياتها اليومية بشكل مسئ أحيانًا،

ويقف الزوج بجانبها، يبتسم، يشارك في المشهد، وعندما يسأله الجمهور: “لماذا تظهر؟”،

يجيب بثقة: “أنا أحافظ عليها”.

لكن، السؤال الذي يفرض نفسه:

هل أصبحت “المحافظة” على الزوجة تعني السماح لها بأن تتحوّل حياتها الخاصة إلى عرض للجمهور؟

هل الدعم أصبح مُقاسًا بعدد المشاهدات والإعجابات، حتى لو كان ذلك على حساب كرامتها أو خصوصيتها؟

 

إن المتابعون لا يأتون دومًا للمهارة أو الذوق، بل لشهوة الفضول، للتسلية، أو لمجرد مشاهدة ما يُسمّى “روتين يومي” يتحوّل إلى نجومية.

في عالم السوشيال ميديا، السطحية تصنع الشهرة، والتفاهة تجد جمهورها… ونحن من منحناها الضوء..

 

المحتوى الهابط لا يزدهر لأنه موجود فقط، بل لأنه يجد جمهورًا يستهلكه ويمنحه شرعية.  

كل مشاهدة، كل إعجاب، كل تعليق، هو بمثابة تصويت يرفع هذا النوع من المحتوى إلى القمة. 

حتى التعليقات السلبية لم توقفها،

بل زادت من أنتشارها كل إهانة، كل سخرية، كانت وقودًا لشهرتهم..

 

فنحن لسنا مجرد متفرجين، بل شركاء في صناعة نجومية من لا يقدّم سوى تفاصيل يومية لا تحمل قيمة معرفية أو فكرية.  

 

لماذا نتابع؟

السؤال الأهم ليس: لماذا يصنعون هذا المحتوى؟ بل: لماذا نتابعه نحن؟  

ربما هو الفضول، وربما هو الهروب من رتابة الحياة، وربما هو الإحساس بأننا نشارك الآخرين تفاصيلهم لنخفّف من ثقل تفاصيلنا ، لكن النتيجة واحدة: نحن نمنح التفاهة قيمة، ونحوّلها إلى سلعة رائجة.  

 

لكن، وسط هذا الصخب، يظل السؤال الأكبر: أين الرقابة؟ أين نحن من تعاليم قيمنا؟ هل أصبحت الشهرة فوق كل شئ ؟

التفاهة لا تُفرض علينا، نحن من نختارها ونرفعها إلى منصّة الضوء.  

وإذا أردنا محتوى أعمق وأكثر وعيًا، فعلينا أن نعيد النظر في أختياراتنا نحن أولًا.  

فالمحتوى ليس مجرد ما يُقدَّم، بل هو أنعكاس لما نبحث عنه نحن، وما نمنحه من وقتٍ وأهتمام.

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button