عادات شامية …. زواج الحيار في مناطق شمال شرق سوريا
Saudi Arabian news

عادات شامية …. زواج الحيار في مناطق شمال شرق سوريا
نجاة احمد الاسعد
نتحدث اليوم عن قصة من قصص العادات القديمة، عادةٍ لا تزال مثار نقاش حتى اليوم، لأنها ترتبط بالعائلة، والهوية، والمصير. إنها عادة زواج الحيّار في مناطق شمال وشرق سورية.
الحيّار تقليد قديم جداً في المجتمع العشائري، يقوم على أن يمنح ابن العم نفسه حق “تحيير” فتاة من العائلة أو العشيرة، بحيث تصبح مخصصة له، ولا يجوز لها الزواج بغيره. وقد لا يعني هذا أنه سيتزوجها فعلاً، فقد يتزوج بامرأة أخرى، بينما تبقى هي محيّرة، ممنوعة من الارتباط بأي رجل آخر، وكأن كلمة واحدة تقرر مستقبلها بالكامل.
ففي كثير من الحالات، لا يُترك هذا الحق للظروف أو للرغبة، بل يُقرر مسبقاً منذ الطفولة. بل منذ لحظة الولادة. فقد يتفق شقيقان مسبقاً على تزويج ولديهما، وتُعلن البنت محيّرة لابن عمها، ويُقال لها: “حيرناكي لابن عمك.”
جملة بسيطة، لكنها كانت كافية لتكتب مصيرها لسنوات طويلة.
وللتحيير طقس رمزي قديم جداً، يُعد من أقدم الموروثات المتداولة.
فعندما يقرر الأهل إعلان الفتاة محيّرة، يقصّون قطعة صغيرة من كمّ ثوبها، ويربطونها حول معصمها.
هذه الحركة الصغيرة كانت تعدّ علامة ارتباط، ووعداً عائلياً ملزماً للجميع، حتى قبل أن تدرك الفتاة ما الذي يحدث حولها أو ماذا يعني أن تكون “محيّرة”.
كان الهدف من هذا التقليد الحفاظ على تماسك العائلة، ومنع خروج الأرض أو الميراث من نطاق الأسرة الواحدة.
وكان يُنظر إلى زواج الأقارب باعتباره أكثر أماناً، وأن بنت العم أولى بابن عمها، لأنه يعرفها وتعرفه، ويعرف أهلها وأصلها.
وكان البعض يعتبر أن هذا النوع من الزواج يحمي الفتاة من الغربة والخوف، ويضمن لها أن تبقى قريبة من أهلها.
غير أن هذه الصورة التقليدية كانت تخفي وراءها جانباً آخر…فالكثير من الفتيات اللواتي فُرض عليهم الحيّار لم يشعروا بأنهم اختاروا مصيرهم.
فعاشوا سنوات طويلة بين رغبة شخصية لا تستطيع أن تتحقق، وبين عرفٍ لا يمكن تجاوزه.
نشأوا وهم يعرفون أن حياتهم مقررة مسبقاً، وأن الرفض ليس خياراً مطروحاً.
ومع مرور الزمن، لم يتوقف أثر الحيّار عند الجانب النفسي فقط. فالتكرار المستمر لزواج الأقارب أدى في بعض العائلات إلى ظهور أمراض وراثية ومشكلات صحية لدى الأطفال.
ومع تزايد هذه الحالات، بدأ الأطباء وخبراء المجتمع يدعون إلى مواجهة هذه العادة وإعادة النظر فيها، حفاظاً على صحة الأجيال القادمة.
ومع دخول التعليم إلى القرى، وتوسع الوعي الاجتماعي، خصوصاً حول حقوق المرأة، تغيّرت الأمور تدريجياً.
وصار الناس أكثر إدراكاً أن الزواج ليس اتفاقاً يُبرم فوق رؤوس الأبناء، بل علاقة تحتاج إلى القبول والتفاهم والحب.
وكثير من الشباب اليوم يرفضون أن يُجبر أحدهم على الزواج بابنة عمه لمجرد أنها محيّرة له.
وبدأت عائلات كثيرة تتخلى عن هذه العادة، بعدما رأت ما خلّفته من مشكلات نفسية واجتماعية وصحية.
ورغم ذلك، لا تزال بعض القرى النائية متمسكة بهذه العادة، وتراها جزءاً من هويتها وتراثها.
يعتبرون أن التخلي عنها يعني التخلي عن تاريخ طويل، عن عادة توارثوها جيلاً بعد جيل.
ولذلك نستمع أحياناً إلى عبارة “حيرناكي لابن عمك” تقال حتى في زمننا هذا، سواء على سبيل المزاح أو التفاخر، لكنها تبقى دليلاً واضحاً على قوة العرف وعمق جذوره في تلك المجتمعات.
وفي نهاية هذه الحلقة، يمكن القول إن زواج الحيّار يشكّل جانباً مهماً من تاريخ المجتمع الريفي في سورية.
يحمل في داخله شيئاً من الأصالة، ومن روح التماسك العائلي، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن وجه آخر للتقاليد حين تتحول إلى قيود تتجاوز حرية الفرد وحقه في الاختيار.
ومع تطور الوعي وارتفاع مستوى التعليم، يصبح واجبنا أن نحافظ على ما في عاداتنا من قيم جميلة، وأن نترك ما يقيّد الإنسان أو يسلبه حقه الطبيعي في تقرير مصيره.
https://www.facebook.com/share/v/1Df3Wi7aSw/
فالزواج، في النهاية، لا يكتمل إلا إذا اجتمع فيه القلب والعقل…الرضا قبل العرف…والحب قبل الكلمة.
تابعونا على الفيس بوك



