Culture and varieties

عادات شامية ….خميس الحلاوة  

Saudi Arabian news

عادات شامية ….خميس الحلاوة  

 

نجاة احمد الاسعد 

 

 اليوم سناخذكم في رحلة إلى مدينة حمص ،التي تقع وسط سورية لنعيش معاً واحدة من أجمل العادات التي ما زالت حاضرة في الذاكرة الشعبية منذ مئات السنين عادة خميس الحلاوة، تلك المناسبة التي ينتظرها أهل المدينة كباراً وصغاراً كل عام بفرح لا يشبه سواه. هذه العادة ترجع إلى تقاليد الصوم الكبير الذي يسبق عيد الفصح عند الطوائف المسيحية الشرقية، حيث يُقسَّم إلى سبع خميسات لكل منها طابع خاص واسـم شعبي تناقلته الأجيال. أولها خميس التايه أو الضايع، يليه خميس الشعنونة، ثم خميس المجنونة، وبعده خميس القطط، ويأتي بعده خميس النبات، ثم خميس الحلاوة الذي يسمى أيضاً خميس الأموات، وأخيراً خميس المشايخ. هذه التسميات لم تُحدَّد في كتب أو مراسيم رسمية، بل خرجت من قلب المجتمع الحمصي، ثم وثّقها المؤرخون والباحثون المحليون، وصارت جزءاً من هوية المدينة وروحها.

وفي خميس الحلاوة بالذات تتفجر الفرحة في الشوارع، إذ تفتح الأسواق أبوابها منذ ساعات الصباح الباكر، وتتزين واجهات المحلات بألوان السكر والحلوى، وتمتلئ الأزقة بالأصوات والضحكات. لا بيت يخلو من طبق حلوى، ولا طفل يمر من السوق إلا وفي يده قطعة يلوّح بها بسرور. كبار السن يروون أن شراء الحلوى في هذا اليوم كان فرضاً اجتماعياً لا بد منه، حتى الفقير يحرص على أن يشتري شيئاً ولو قليلاً، فالحلاوة رمز للمحبة والبركة واللمة العائلية.

 

أما أنواع الحلوى فهي عالم يفتح شهيّة العين قبل الفم. هناك السمسمية الشهيرة، ألواح من السمسم المحمّص الممزوج بالسكر أو العسل، والفستقية واللوزية والجوزية التي تعتمد على المكسرات، والملبّن الملوّن الطري المحشو أحياناً بالجوز والمكسرات، والراحة أو راحة الحلقوم برائحتها الزكية. وتنتشر أيضاً العوامة والزلابية التي تُعدّ في البيوت وتقدَّم للضيوف. لكن ما يميز خميس الحلاوة حقاً هو الأصناف التي لا تظهر إلا فيه، مثل حلاوة البشمينة الناعمة، والخبزية التي تأتي باللون الأبيض أو الزهر وتُرصّف في الأطباق كزهور من سكر، وبلاط الجنة الذي يلمع كأنه قطع من رخام حلو، إضافة إلى مخاريط الحلو التي تصطف بأحجام مختلفة فتملأ المحلات وتزيّن السوق وكأنها أبراج من سكر. مشهد لا يُنسى يجمع بين الطعم واللون والرائحة، ويعيد للأذهان طفولةً مليئة بالبهجة.

لكن جوهر خميس الحلاوة لا يقف عند الحلوى، بل يتعداها إلى المعنى الأعمق، فهو مناسبة اجتماعية تعزز روابط الألفة بين الناس. الجيران يتبادلون الأطباق، والأطفال يزورون أجدادهم لينالوا حصتهم، والكبار يستعيدون ذكريات الطفولة بضحكة حلوة مثل الحلوى نفسها. وفي كل عام، ومع عودة هذه المناسبة، تعود الأسواق لتستعيد زينتها، وتعود المدينة لتتنفس الفرح كما لو أن الزمن يعيد نفسه.

 

هكذا يبقى خميس الحلاوة عيداً شعبياً وعرساً تراثياً لا يشبه سواه، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في قطعة حلوى بسيطة تحمل معها تاريخاً من المحبة والتكافل. إنه يوم للحلاوة في طعمها ومعناها، في ذكراها وفي ما تخلّفه من بسمة على وجوه الأطفال وحنين في قلوب الكبار. في هذا الخميس، تبدو حمص كلها عائلة واحدة، تتقاسم الفرح كما تتقاسم قطع الحلوى، وتؤكد أن العادات الأصيلة يمكن أن تبقى حيّة مهما تغيّرت الأزمنة.

 

https://www.facebook.com/share/v/1Ce7XEDk8c/

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button