
عادات شامية……..حكايا الجدات ودهاليزها
نجاة احمد الاسعد
في كل بيتٍ شرقي، وخصوصاً في بلاد الشام، ثمة ركنٌ دافئ تُنسَج فيه الحكايا، وتُروى فيه الأسرار، وتُستحضَر فيه صور الأجداد… إنه مجلس الجدة، و”دهاليز الحكايا” التي اعتاد عليها الكبار والصغار منذ مئات السنين.

لكن سرّ هذه العادة ليس في التسلية وحدها، بل في عمقها وارتباطها بالحياة اليومية. فالحكايا لم تكن تُروى في أي وقت، بل ارتبطت بمواسم محددة: ليالي الشتاء الطويلة بعد موسم القطاف والحصاد، أو ليالي الصيف فوق أسطح البيوت حيث يجتمع الأهل تحت ضوء القمر.
كان الأطفال يتجمّعون حول جداتهم، يستمعون إلى قصص الأبطال، وحكايا الجن، وأمثال الناس، وحكايات العاشقين.
كلمة “دهاليز” لانقصد بها دهاليز الحجر، بل دهاليز الذاكرة والخيال، تلك الأزقة التي تقود نامن قصة إلى أخرى، ومن مثلٍ إلى حكاية، حتى يضيع الطفل في عالمٍ ساحرٍ من الصور. والحكايا لم تكن للطفل وحده؛ أحيانًا كانت الجدة ترسل من خلالها رسائل مشفّرة للكبار، فإذا وقع خلاف في العائلة روت حكاية عن أخوين تصالحا بعد نزاع، لتُذكّر الجميع بأن المحبة فوق كل شيء.

الجدة لم تكن راوية فحسب، بل كانت مربية وحكيمة ومعالِجة للقلوب الصغيرة. فإذا خاف طفلٌ من الظلام، اخترعت له قصة عن بطل يهزم العتمة، لتُهدئه وتزرع في نفسه الشجاعة. وإذا أرادت أن تُحذّر حفيدها من الكسل، روت له حكاية عن ولدٍ ضيّع عمره بالكسل. وإذا أرادت أن تشجّع حفيدتها على الصبر، حدثتها عن فتاة نالت الخير بصبرها. وهكذا، كانت الحكايا شكلاً بدائيًا من العلاج النفسي، ومدرسة الحياة الأولى التي تغني الوجدان قبل أن تأتي المدارس والكتب.
ولم تكن الحكايا قصيرة تُروى على عجل، بل كانت تمتدّ لساعات طويلة في بعض الليالي، تتخللها أشعار وأغاني شعبية تؤديها الجدة بصوتها، فتتحول السهرة إلى عرضٍ كامل يمزج بين السرد والغناء والإيقاع. وكان الأطفال يرددون معها بعض الأهزوجات، فيحفظونها جيلاً بعد جيل.
وأما أنواع الحكايا، فقد تنوعت بين الأساطير الشعبية مثل قصة “الشاطر حسن” ومغامراته، وحكايات البطولات والملاحم، وحكايات الجن والعجائب، إضافةً إلى قصص العشاق والأمثال الشعبية التي تحوّلت بدورها إلى حكم خالدة. وهكذا شكّلت الحكاية الشامية موسوعةً متكاملة من الخيال الشعبي، تحفظ الحكمة والفن والوجدان معًا.
كانت الحكاية وسيلة لحفظ التاريخ الشعبي. فالجدات روين قصص الغزوات، وأيام الثورات، ومواقف الرجال الأحرار.
كما كانت وسيلة لتمرير المعرفة اليومية؛ فقد حفظت أسماء النباتات وأدوات الزراعة، وعكست تفاصيل العادات والتقاليد. ومن هنا، اعتبرها الباحثون “كتابًا شفويًا” حفظ تفاصيل الحياة كما لم تحفظها الكتب.
الجدات لم يكتفين بالسرد الجاف، بل زيّنَّت الحكايا بأسلوب فني متقن. فكانت ترفع صوتها عند لحظة الخوف، وتخفضه عند لحظة السر، ثم تضيف مؤثرات بصوتها: صهيل حصان، أو نداء بطل، أو بكاء عاشقة. وبعض الجدات كانوا يبدؤون القصة بأهزوجة قصيرة أو بيتٍ من الشعر:
“يا سامعين صلّوا عالنبي… تبدأ الحكاية وتنكشف الغيبة.”
بهذا فتحت الجدة باب المسرح في ذهن المستمعين، وجعلت الأطفال يعيشون القصة وكأنها حقيقة.
اللافت أن القصة الواحدة لم تكن تُروى دائمًا بالشكل نفسه؛ فكل جدة كانت تُضيف من خيالها أو تجربتها الخاصة، ولهذا نجد عشرات النسخ من القصة الواحدة تختلف من قرية لاخرى. وكأن الحكاية كائن حي يتنفس ويتطور مع الزمن، يحمل بصمات كل راوية.
أما اليوم، مع سرعة الحياة، ومع وجود التلفاز والهواتف، قلّ أن نجد مجلساً مثل ذاك المجلس. لكنّ بعض الجدات ما زلن يصررن على الحكاية، وبعض المراكز الثقافية أعادت إحياء هذا الفن فيما يُعرف الآن بفن “الحكواتي”. والحق أن الجدات كن حكواتيات الظل، ينسجون ذاكرة لا تقل جمالًا عن الحكواتية الذين عرفناهم في المقاهي. فمهما تغيّرت الأزمنة، يبقى الناس في حاجة إلى الحكاية… لأنها جسر بين الماضي والحاضر، وبين الخيال والواقع.
أيها السادة… حكايا الجدات ليست مجرد قصص قبل النوم، بل هي جواهر مضيئة في دهاليز الذاكرة الشامية. هي تاريخ، وتربية، وحنين، وفن… هي أصوات الجدات اللواتي غادرونا، لكن أصواتهم ما زالت تتردّد فينا.
فلتبقَ الحكاية حيّة… ولتظل دهاليزها أبواباً مشرعةً على الدفء والجمال.



