Mbc NewsCulture and varieties

قبل أن يموت الأب… حكاية فقرٍ لم يره أحد إلا بعد الفقد»

قبل أن يموت الأب… حكاية فقرٍ لم يره أحد إلا بعد الفقد»

بقلم: محمد احمري _ كاتب سعودي

تمنّت أن يشبع أبوها قبل أن يموت…
جملة قصيرة، لكنها أثقل من الحكاية نفسها، وأصدق من كل الخطب عن الفقر والصدقة.

كثيرٌ من الناس حين يخرجون زكاة أموالهم، يشترطون أن تُعطى لليتامى أو الأرامل فقط، وكأن الفقر لا يُرى إلا بعد الموت، وكأن الحاجة لا تُعترف بها إلا إذا غاب الأب عن الحياة.

فهل يجب أن يموت الفقير، ليشعر الناس بجوع أولاده؟

تحكي إحدى الطالبات قصة لا تُنسى.
في المرحلة الثانوية، كنّ يجتمعن في وقت الاستراحة، يضعن فطورهن معًا دون أن تعرف إحداهن ماذا جلبت الأخرى. كانت بينهن طالبة لا تحضر معها شيئًا، فكانت تُقنعها بالجلوس معهن، حتى لا يشعر أحد بنقصها.

استمر الحال طويلًا…
إلى أن اقترب التخرج، وتوفي والد تلك الطالبة، فتغيّر حالها فجأة. أصبحت تهتم بلباسها، وتحضر طعامها، وبدت حياتها أفضل من ذي قبل.

ظنّت صديقتها أنها ورثت مالًا، فسألتها عن سر هذا التغيير.
أمسكت بيدها وبكت.
قالت بحرقة:
«كنا ننام بلا عشاء، وكنت أنتظر الذهاب إلى المدرسة لأتناول الطعام معكم من شدة الجوع.

كانت أمي تُخفي خبز العشاء ليكون فطورًا لإخوتي، وكنت أخرج مبكرًا متعمدة، حتى أوفر لهم لقمة إضافية».

ثم قالت وهي تختنق بالدموع:
«الآن، بعد أن مات أبي، أصبح الجميع يعطوننا ويهتمون بنا لأننا أصبحنا أيتامًا… تمنيت أبي يشبع قبل ما يموت».
وسألت سؤالًا موجعًا:
«يعني ما عرفوا أننا محتاجين إلا بموت أبي؟».
هذه ليست قصة واحدة، بل حكاية تتكرر في بيوت كثيرة.

أسر عفيفة تتوارى خلف التعفف، تخفي جوعها، وتبتلع حاجتها، ولا يسمع أنينها إلا الله.

فأين نحن من الإنفاق؟
أين الزكاة التي تُخرج في وقتها؟
أين صلة الرحم؟
أين إغاثة الملهوف؟
وأين الرحمة التي أمرنا الله بها؟
قال رسول الله ﷺ:
«ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا».

تفقدوا الأسر العفيفة، تفقدوا الأقرباء والجيران والأصدقاء، فكم من محتاجٍ يحسبه الجاهل غنيًا من شدة تعففه.
أنفقوا، فإن حاجتكم إلى الصدقة أعظم من حاجة من تتصدقون عليه.
أرخوا أيديكم بالعطاء، تُرخ حبال المصائب عن أكتافكم.

وفي رمضان، حيث تتضاعف الرحمة، لا تؤجلوا الخير…
قد تكون لقمة اليوم حياةً كاملة، وقد يكون عطاؤكم الآن إنقاذًا قبل أن يفوت الأوان.

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button