الاخبارية مباشرثقافة ومنوعات

مفارقات العيد في الزمن القديم والزمن الحديث 

مفارقات العيد في الزمن القديم والزمن الحديث 

بقلم الدكتور : نواف المطيري

لم تكن فرحة العيد قديماً تحتاج إلى كاميرات توثقها، ولا إلى رسائل تُرسل في منتصف الليل، ولا إلى مظاهر مبالغ فيها تُثبت أن الناس سعداء. كان العيد يدخل البيوت بهدوء جميل، فتشعر القلوب به قبل أن تراه العيون. كانت الأزقة القديمة تعرف صوت الأطفال وهم يركضون بملابسهم الجديدة، وكانت الأمهات يملأن البيوت برائحة القهوة والحلوى، بينما الآباء يعودون من الأسواق حاملين أكياساً صغيرة لكنها تكفي لصناعة فرح كبير.

في تلك الأيام، كان انتظار العيد يشبه انتظار المطر بعد صيف طويل. الأطفال يعدّون الأيام المتبقية، ويتأملون ثيابهم الجديدة كل ليلة، وكأنها كنز ثمين. وكانت “العيدية” ورقة نقدية بسيطة، لكنها قادرة على أن تجعل طفلاً يظن أنه يملك الدنيا بأكملها. لم يكن أحد يقارن نفسه بغيره، ولم تكن الفرحة تُقاس بما يُنشر أو يُعرض، بل بما يُشعر به الإنسان داخله.

أما اليوم، فقد أصبح العيد سريعاً يشبه أيام السنة الأخرى. تتزاحم الرسائل في الهواتف حتى تفقد الكلمات دفئها، ويجلس بعض الناس بجانب بعضهم بينما أعينهم معلقة بالشاشات. صار كثيرون يلتقطون صورة للعيد أكثر مما يعيشونه، وأصبح البعض يبحث عن المكان الأجمل والهدية الأغلى، بينما تقلّصت الجلسات الطويلة التي كانت تجمع العائلة حول حديث بسيط وضحكات صادقة.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن فرحة العيد اختفت، بل تغير شكلها فقط. فما زال هناك طفل ينتظر ملابسه الجديدة بلهفة، وأم تسعد حين يجتمع أبناؤها حولها، وأب يشعر بالرضا وهو يرى أسرته مبتسمة. العيد الحقيقي لا يسكن الزمن القديم أو الحديث، بل يسكن القلوب التي تعرف معنى المحبة وصلة الرحم والتسامح.

وربما أجمل ما نتعلمه من أعياد الماضي أن السعادة لا تحتاج إلى الكثير. فبعض الذكريات القديمة ما زالت تعيش في النفوس رغم مرور السنين، لأن ما صُنع بالمحبة يبقى، وما صُنع بالمظاهر يختفي سريعاً. لذلك سيظل العيد جميلاً، كلما بقي الإنسان قريباً من الناس، قريباً من عائلته، وقريباً من تلك الطفولة التي كانت ترى في أبسط الأشياء فرحاً لا ينتهي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى