
الثنائي الفني وردة الجزائرية وبليغ حمدي
نجاة احمد الاسعد
سنروي قصصاً جمعت بين الفن والحب، وتركَت بصمتها في ذاكرة الموسيقى العربية. وحكايتنا اليوم حكاية ثنائي لم يكن لقاؤه عادياً، بل قدراً شكّل فناً سيظل باقياً ما بقيت الأغنية العربية… إنها حكاية وردة الجزائرية والملحن العبقري بليغ حمدي.
وردة وبليغ ، من أشهر الثنائيات الفنية والإنسانية، جمعتهما قصة حب قوية، كانت بمثابة نهر من الحب والإبداع، توجت بالزواج وعشرات الألحان الخالدة، ويجمع المؤرخون على أن ما قدمه بليغ لوردة خلال سنوات زواجهما الست، تعد التاريخ الحقيقي لها.
وتبدأ القصة بفتاة صغيرة تجلس في قاعة سينما بفرنسا، تستمع للمرة الأولى إلى لحن أغنية تخونوه لعبد الحليم حافظ. كان اللحن نافذة فتحت قلبها على عالم جديد، فأعجبت بصاحبه من قبل أن تعرف ملامحه. قالت يومها: “لو أن القدر جمعني بملحن هذا العمل، فسأخبره بما تركه في نفسي من أثر”. ولم يمض وقت طويل، حتى دُعيت وردة إلى مصر لتشارك في فيلم ألمظ وعبدو الحامولي، وهناك تم اللقاء المنتظر.
حين دخل بليغ ليحفظها أول لحن، وقف أمامها مأخوذاً، وقال لاحقاً لصديقه وجدي الحكيم: “هذه أول إمرأة تهزّني بهذا الشكل”. ومن تلك اللحظة وُلدت شرارة الحب و تقدّم بليغ لخطبتها، لكن أسرتها رفضت الأمر، فعادت وردة إلى الجزائر وتزوجت قريبها، وابتعدت عن الفن عشر سنوات كاملة، بينما ظل حب بليغ لها شعلة لا تنطفئ.
وبعد سنوات طويلة، شاء القدر أن يضعهما مجدّداً في المكان نفسه. التقى الفنانون المصريون بوردة في الجزائر خلال احتفالات عيد الاستقلال، وكان بليغ بينهم. جلس يحمل عوده، وبمجرد أن رآها عادت إليه كل الذكريات. أخذ يعزف، وتولدت من تلك اللحظة بذور أغنية العيون السود. وعدته وردة بأنها ستغنّيها إذا اكتملت و عادت بعد عام ونصف إلى مصر بعد انفصالها، وغنّت الأغنية التي صارت عنواناً لعودتهما معاً.
تزوّجا، وعاشا ست سنوات امتلأت بالفن والاختلاف، بالحب والغيرة. وردة التي كانت تحب الهدوء والحياة الأسرية، وبليغ الذي عاش عمره بين الألحان والسهر واستحضار الإلهام في كل لحظة… اختلاف الطباع صنع كثيراً من التوتر، فوقع الانفصال، لكنه لم يكن نهاية العلاقة الروحية بينهما.
عززت علاقة الحب القوية التي ربطتهما، من الإنتاج الفني بينهما، وتغنى كل منهما بالآخر، فكان بليغ يلحن لها الأغاني بقلبه، ووردة تقدمها بمنتهى الحب لشريك عمرها، لذلك تألق الثنائي، وقدما أجمل وأشهر أغاني الحب، ولحن ما يقارب 30 أغنية بين العاطفية والوطنية.
ومنها، «العيون السود» و«أحبك فوق ما تتصور» و«ليالينا» و«احضنوا الأيام»، و«وحشتوني»، و«اشتروني»، و«حكايتي مع الزمان»، و«خليك هنا»، و«لو سألوك»، وغيرها من الاغاني كماغنت للاطفال و«أنا عندي بغبغان» وأغنيات أخرى بمسلسل «أوراق الورد» الذي قامت وردة ببطولته.
بعد الطلاق تدهورت حالة بليغ النفسية وأصيبت وردة بوعكة صحية كادت تودي بحياتها. ومع ذلك بقي الودّ قائماً، فكتب بليغ لها أغنية بودّعك، وطلب منها أن تغنّيها، وبعد تردد وافقت، لتكون آخر ما جمع بينهما فنياً. ورحل بليغ عام 1993، وقيل إنه كان يردد اسمها في أيامه الأخيرة. أما وردة، فقد ظلّت تتحدث عنه في كل لقاء حتى رحيلها عام 2013، وكأن جزءاً منها بقي معلّقاً عند تلك القصة التي لم تكتمل.
وهكذا، لم تكن علاقة وردة وبليغ مجرد حب بين فنانين، بل كانت مصدراً لروائع خالدة، صنعت ذاكرة عاطفية لأجيال. بقيت ألحانهما شاهدة على أن الحب قد يفتر، لكن الفن الحقيقي لا يخبو أبداً.
تابعونا على الفيس بوك



