ثقافة ومنوعات

فنجان القهوة “الحكاية الكاملة”

فنجان القهوة “الحكاية الكاملة”

بقلم: سهام حسين القحطاني

وراء كل فنجان قهوة تاريخ من الحكايات الإنسانية، ففي طعمه تختبئ الذكريات وفي آثاره بقايا الآهات، والبعض يرى أن في قاع كل فنجان قهوة عين من المستقبل.

لقد تحولت القهوة عبر الأيام من مجرد مشروب إلى جزء من تراث وثقافة الشعوب.

وأصبحت الشعوب تضيف وتضفي هويتها على لونها وطعمها.

يعود اكتشاف القهوة إلى أثيوبيا ومن هنا اقتبس اسمها “قهوة” مقاربة باسم ملكة أثيوبيا الملكة “كافا”.

وكان الصيادون من قبيلة “أورومو” يتناولون حبوب القهوة حتى تساعدهم على السير لأيام عديدة في نشاط، ومن الروايات المنقولة في بدايات اكتشاف تأثير القهوة على النشاط والطاقة حكاية “الرهبان” الذين كانوا يتناولون حبوب القهوة حتى يستطيعون السهر لتنفيذ طقوسهم التعبديّة، وقد انتشرت هذه القصة تحت عنوان “الدير الذي لا يعرف النوم”، ويقال أن المتصوفين كانوا يتناولون حبوب القوة لمنحهم الطاقة و النشاط على العبادة، فاسم القهوة ارتبط بالتعبد قبل كل شيء.

أما طريقة تحضير القهوة،فهي تُنسب أن الرهبان عندما قاموا بتحميص نبتة القهوة في الجمر ثم طحنوها وأضافوا عليها الماء الساخن وهكذا نشأ أول فنجان قهوة، وظلت طريقة تحضيرها تتطور، فكل جيل يطور مذاقها ونكهتها، فمن القهوة السوداء إلى الاسبريسو ثم الكابتشينو.

ومن مؤشرات أهمية القهوة مجموع الكتب التي أُلفت فيها مثل كتاب “عمدة الصفوة في حل القهوة” للمؤرخ عبد القادر الجزيري .

وظهور القهوة كان السبب في إضافة أشكال جديدة للأنماط الاجتماعية واستحداث أماكن ،ظلت تتطور وفق الهرم الحضاري.

فنشأت المقاهي التي استمدت اسمها من “القهوة” وكانت ملتقى الناس والأدباء بل ثم تحولت إلى ملتقى العشاق والمحبين، كما تقول فيروز:

“في قهوة على المفرق في موقدة وفي نار..نبقى أنا وحبيبي نفرشها بالأسرار”

و أصبحت المقاهي الكبرى شركاء في صناعة الثقافة و الأدب،فمهما اختلفت الأفكار و الغايات يظل هناك شيء واحد مشترك بينهم هو “فنجان القهوة”.

وتعتبر قهوة أو مقهى الفيشاوي من أشهر المقاهي الثقافية في التاريخ العربي وقد ارتبطت شهرته بشهرة الأديب العالمي “نجيب محفوظ”.

كما كانت القهوة مصدر إلهام للكثير من المؤلفين الغنائيين، تجلت من خلال أغاني اكتسبت شهرة عند الجمهور، ومن هذه الأغاني “بلا تصبوا هالقهوة وزيدوها هيل” للمطربة سميرة توفيق، و”قارئة الفنجان” لنزار قباني التي تستلهم من القهوة عين المستقبل.

كما كانت القهوة مصدر إلهام للعلماء من خلال اختراع ماكينات تحضير القهوة،وكانت فرنسا الرائدة من خلال اختراع أول ماكينة تقطير للقهوة.

أما “فنجان القهوة” أو “الكوب الخاص بالقهوة” فهو حكاية مختلفة، فهذا الفنجان أو الكوب ليس مجرد وسيط بين الإنسان و القهوة بل هو جزء من هوية شارب القهوة فأصبح فنجان أو كوب القهوة لوحة فنية متنقلة.

كما أصبح مقدمو القهوة يبدعون بالرسم بالحليب فوقها،لتتجلى لك لوحة فنية من ضباب الشتاء وخريف الأرض، حتى يمزجوا النكهة بالفن.

كما أصبحت القهوة في ذاتها مادة للرسم، فقد انتشر في وقتنا الحاضر الرسم بالقهوة، وأصبح له جمهوره المفتون بالقهوة، ومن أشهر الرسامين في هذا المجال الفنان التشكيلي السوداني “صالح عبده”.

وفي الجزيرة العربية ارتبطت القهوة “بالكرم والجود” كما أنها استطاعت أن تشكل لها طقوسها الخاصة في النكهة والإضافات التي تزيد من عمق طعمها، وطريقة تقديمها.

ولقيمة القهوة في التراث والتاريخ الإنساني حُدد لها “يوما عالميا” للاحتفال بها كقيمة إنسانية توحد الشعوب داخل فنجان قهوة بصرف النظر عن النكهة والكثافة، ولتحررهم من اختلاف و خلاف العقائد و اللغات و الألوان وكأن فنجان القهوة محطة للسلام العالمي، فكان يوم “1” أكتوبر من كل سنة اليوم العالمي للقهوة.

لتبقى كما يقول المؤرخ عبد القادر الجزيرى “في القهوة سر وليّ”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى