الاخبارية mbcثقافة ومنوعات

النوستالجيا بين الأدب وعلم النفس

النوستالجيا بين الأدب وعلم النفس

بقلم: سهام حسين القحطاني

يقول قيس بن الملوح

أمر على الديار دبار ليلى **أقبل ذا الجدار وذا الجدار

وما حب الديار شغفن قلبي**
ولكن حب من سكن الديار

لعل الشاعر العربي قبل الإسلام كان هو السبّاق في تحويل “عاطفة الحنين” إلى “خاصية فنية” أصبحت من أهم خصائص منهجية الشعر العربي وهي خاصية “الوقوف على الإطلال” خاصية عبرت عن “الواقعية الحياتية” التي كان يعيشها عرب الصحراء من التنقل من مكان إلى مكان،فكان العربي يولد في مكان و يتربى في مكان و يلتقي بحبه الأول في مكان ثالث، وتلك الواقعية المعيشية غير المستقرة كانت الحافز في نشأة عاطفة الحنين، ثم تحولت مع مرور الأيام إلى منهجية شعرية في ذاتها استقرت في هوية الشعر العربي حتى وصلت إلى مدرسة الإحياء في العصر الحديث، مرورا بمدرسة المهجر الذي مثل “موضوع الحنين” عمودا فقريّا لهوية هذه المدرسة كإجراء للواقعية الاجتماعية التي صاحبت شعراء هذه المدرسة ،الحنين الذي كان بمثابة “قطعة سكر” يخفف من “مرّ قهوة الغربة”.

فيقول إيليا أبو ماضي:

أحن إلى تلك المغاني وأهلها**
وأشتاق إلى من يشتاق تلك المغانيا.

ولإليا أبو ماضي قصيدة رائعة تصف حكايته مع “حلاوة الحنين” و “مرارة الغربة” بعنوان “يا جارتي”.

وفي زمن التهجير أصبح الحنين إلى الوطن ورمزياته سلوى للمُهجَرين و اللاجئين يقول محمود درويش “أحن إلى خبز أمي..وقهوة أمي..ولمسة أمي”.

وفي رواية “البحريات” للأستاذة أميمة الخميس يتجلى لنا “الحنين” في صراع إنساني لجغرافية المكان بين الماضي الذي نفتقده كذكريات لكنها ماتزال كيانا حيّا من خلال فكرة المحاكاة مع واقع الحنين الغائب لتحويلة إلى واقع في جغرافية بديلة.

والحنين عاطفة متلازمة بالشعور بالغربة أو الاغتراب سواء أكانت حقيقية واقعية أو نفسية أو فكرية أو اجتماعية، ومن هنا تدخل “النوستالجيا” صراع المناصفة بين الأدب وعلم النفس.

إن فكرة النوستالجيا أو “متلازمة الحنين” هي فكرة إنسانية حتى الصميم؛لأنها مرتبطة بالانتماء.

فهذا الحنين قد يتحول عند البعض إلى مصدر إبداعي وقد يتحول في المقابل قد إلى أزمة تفاهم مع السلّم الحضاري؛ فكلما تمسك المرء بحنينه وأنفرد به في إطار الوحدة دخل عالم من البهتان،فكل أمل أنقضى مع الماضي هو مستودع حنينه، و ما المستقبل سوى ألم،لأنه لا يشبه الماضي الذي يحن إليه.

أول ظهور لمصطلح “النوستالجيا” كان في القرن الثامن عشر،وقد تم اكتشافه كمرض نفسي من خلال الطبيب النفسي السويسري”بوهانس هوفر” عام 1688م،بعد إن لاحظ بعض الجنود المغتربين عن أوطانهم يُعانون من الأرق ونوبات البكاء،ثم تبين بعد دراستهم أن سبب هذه الأعراض حنينهم إلى أوطانهم،وفي عام 1790 م صنفت التوستالجيا ثاني أخطر مرض على العقل الإنساني بعد الهستيريا،وكانوا يعالجونه بتهديد المرضى بالدفن وهم أحياء.

أما الباحثة الروسية “سفيتلانا بويم” فقد قسمت في كتابها “مستقبل الحنين إلى الماضي” النوستالجيا إلى نوعين:

النوستالجيا الإحيائية، إعادة إحياء الماضي ومقاربته بالحاضر وهو ما قد يولد الحزن والاكتئاب.

النوستالجيا التأملية، ويعبر الشخص عن احترامه للماضي دون العيش معه.

وعندما نتأمل ماحولنا اليوم سنجد أن “النوستالجيا” توسعت دائرة تأثيرها،وقد أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي و الذكاء الاصطناعي على تنشيطها؛فبدأنا نرى و نسمع تدويرا للأغاني القديمة و الأزياء القديمة من خلال معالجات الذكاء الاصطناعي.

إن الخط الفاصل في النوستالجيا بين أن تكون داعمة لتراث الإنسان و الاعتزاز بهوية الوطنية والتمسك بأصالة تاريخه،و بين أن تتحول إلى مرض نفسي يحيط المرء بالانعزال و التطرف و الاكتئاب،هو خط أشبه بخط الاستواء غير مرئي لكنه مؤثر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى