Mbc NewsCulture and varieties

ثقافة التنافسية

ثقافة التنافسية

بقلم: سهام حسين القحطاني

ألا لا يجهلن أحد علينا**

فنجهل فوق جهل الجاهلينا-عمرو بن كلثوم-

فٌطر الإنسان على حب الذات وهذا الحب يتجلى دوما في تقييمه لذاته ويعلو هذا التقييم في ضوء التنافسية مع الآخرين، فبدون الآخرين لا يمكن أن يحقق المرء قيمة حقيقية لذاته، وهذا ما يفسر لنا ظهور المنافسات الأدبية عند العرب قديما مثل المعارضات الشعرية وكذلك المنافسات الرياضية في تاريخ الأمم، فهذه التنافسية ليست ألعاب ترفيهية تسعى لتحقيق التسلية، بل هي مؤشرات تحقق حب الإنسان لذاته وتقييمه الأعلوي لتلك الذات من خلال التنافسية.

وعند العرب كان “شعر المدح” من أهم أشكال التنافسية سواء في حدّه الفردي أو احتوائه الجمعي، وأصبح الشعراء يتنافسون في أيهم أكثر إبداعا في مدح قبيلته من خلال صورة فنية مدهشة متضخمة الذات تخرج كثيرا من الأحيان عن المنطق والواقعية.

وحينا تتحول التنافسية إلى منحى تكون قصدا في ذاتها مثل قول عمرو بن كلثوم السابق، حيث يصبح “الجهل” بمعنى العصبية مصدرا للتنافسية بصرف النظر عن اللاقيمة ، أو التنافسية لقيمة مكتسبة ذات خصوصية قاصرة على أعلوية الذات و مؤشر على قوة تلك الذات مقابل ذات أخرى كقول عمرو بن كلثوم:

ونشرب إن وردنا الماء صفوا**

ويشرب غيرنا كدرا وطينا.

وفي العصر الأموي ظهرت “النقائض” وأساسها مبني على التنافسية والتنافسية المضادة وفق بناء فني وفكري ميز شعر النقائض عن غرضي “المدح والهجاء”.

وفي العصر العباسي تراجعت فكرة التنافسية في احتوائها الجمعي إلى حدّها الفردي، ويعد الشاعر “المتنبي” إمام “النرجسية التنافسية” في الشعر العربي،و الذي أغلق على كل شاعر باب منافسته من خلال قوله:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي*

وأسمعت كلماتي من به صمم

أنام ملئ جفوني عن شواردها*

ويسهر الخلق جراها ويختصم

صاحبت فكرة التنافسية

التاريخ الإنساني منذ ارهاصاته، ليس لأنها جزء حيوي من فاعلية التطور الإنساني بل لأنها تظل الحافز المشروع “للصراع الناعم” بين البشر.

يمكن تعريف التنافسية في حدّها الأبسط بأنها “كيف تكون الأفضل من غيرك في ذات المجال”.

والأفضل هنا تحمل دلالات عدة، منها المعرفي والتطويري والاقتصادي والتسويقي.

فهي قيمة أعلوية تمنحك امتيازات تصنع لك “علامة تسويقية “تميزك عن غيرك.

والتنافسية ليس مجرد سلوك مكتسب بل في أصله جزء من الطبيعية الإنسانية رسخها الله داخل الإنسان للقيام بدوره في عمارة الأرض وتطويرها، وتطوير التجربة الإنسانية في كليتها، ولذلك منحه الله القدرة على التفكر والتدبر والمقارنة والعلم، فكل هذه الأساليب هي مصدر تنافس بين البشر للتطور والتطوير، تحولت من كونها تنافس فردي إلى تنافس جماعي مع تطور وحدة المجتمع وتشكيل معايير العقد الاجتماعي وظهور الهويات الخاصة وانتماءات المواطنة.

واتفاق المجموع على أحادية الهدف والغاية من التنافسية، وهذه الأحادية نسجت في ضوئها مرتكزات رئيسة لا يمكن أن تتحقق التنافسية الإيجابية إلا بعد تمامها وهي: الرؤية الإبداعية و الابتكارية، تحقيق التغيير أو الإضافة و التخطيط الانضباط الانتماء و الولاء سواء كتصنيف أو توجه،لذا تعدّ مظهرا من مظاهر الحضارة الإنسانية.

وفي العصر الحديث أصبحت التنافسية “علما في ذاته” شٌكلت له النظريات وصيغت له الاصطلاحات ورُسمت له الاستراتيجيات والإجراءات.

لقد ارتبطت التنافسية بتقدير الذات ثم بالنجومية،فأصبحت “النجومية” هي الوجه الآخر “للتنافسية” وأصبحت هناك جهات متخصصة في تصميم برامج تلك التنافسية و أساليب تنفيذها

و مع تطور حركة التقنية أصبحت التنافسية وظهور مواقع السوشيال ميديا تتمثل في “الترند” الذي يعتمد على إحصاءات المشاهدة و الإعجاب والإعادة،وهو ما أدخل احتمال الخدعة و التلاعب بتلك الإحصاءات و الأرقام و تحولها إلى تجارة إننا أمام تنافسية مزيفة تظهر سريعا و تختفي سريعا.

ومع ذلك تظل هناك التنافسية الحقيقية الإيجابية التي نراها كل يوم في علم العلماء و إبداع المبدعين تنافسية تسعى إلى خدمة الإنسانية.

فلولا التنافس ما تطورت الحياة ولذلك تظل التنافسية روح كل نهضة.

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button