
9 أعوام مرت كلمح البصر في قصة ليفربول وصلاح
متابعة نجاة احمد الاسعد
لم يكن كثيرون يتوقعون عندما تعاقد ليفربول مع محمد صلاح أن اللاعب المصري القادم من روما سيصبح بعد سنوات قليلة أحد أعظم من ارتدوا القميص الأحمر عبر تاريخ النادي. فالصفقة التي جاءت بطلب مباشر من مدرب الفريق الألماني يورغن كلوب بدت حينها خطوة مهمة ضمن مشروع إعادة بناء الفريق، لكنها تحولت سريعاً إلى نقطة فاصلة في تاريخ ليفربول الحديث، بعدما أصبح صلاح الوجه الأبرز لعودة النادي إلى منصات التتويج المحلية والقارية.
ومنذ المباراة الأولى، ظهر الانسجام الكبير بين صلاح وكلوب. فالمدرب الألماني رأى في اللاعب المصري السلاح المثالي لطريقته الهجومية السريعة، بينما وجد محمد في يورغن المدرب الذي منحه الثقة الكاملة وحرره هجومياً بأفضل صورة ممكنة.
ولم تكن العلاقة بين صلاح وكلوب مجرد علاقة مدرب ولاعب، بل شراكة صنعت نجاحاً استثنائياً. فالمدير الفني كان دائم الإشادة بالتزام صلاح وتطوره الذهني والبدني، وصلاح بدوره تحدث أكثر من مرة عن الدور الكبير الذي لعبه المدرب الألماني في نقله إلى مستوى جديد جعله من بين أفضل لاعبي العالم.
ولم يكن صلاح في حاجة لوقت طويل لإثبات نفسه، إذ قدم واحداً من أعظم المواسم الفردية في تاريخ الدوري الإنجليزي خلال موسمه الأول، بعدما سجل 44 هدفاً في جميع المسابقات، بينها 32 هدفاً في الدوري الإنجليزي الممتاز، محطماً الرقم القياسي لأكثر لاعب تسجيلاً في موسم من 38 جولة.
وذلك الموسم أعاد ليفربول إلى نهائي دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى منذ سنوات، ورغم خسارة النهائي أمام ريال مدريد في كييف، فإن الفريق بدا وكأنه يعلن عودته إلى الصف الأول أوروبياً بقيادة صلاح وكلوب.
ولم تكسر خيبة نهائي كييف صلاح، بل زادته قوة وإصراراً، إذ عاد في الموسم التالي بصورة أكثر نضجاً، وساهم في قيادة ليفربول للتتويج بلقب دوري أبطال أوروبا السادس في تاريخ النادي، بعدما سجل هدفاً في النهائي أمام توتنهام هوتسبير في مدريد.
وبعد ذلك بعام واحد فقط، تحقق الحلم الأكبر لجماهير “أنفيلد” عندما قاد صلاح الفريق للفوز بالدوري الإنجليزي الممتاز لأول مرة منذ 30 عاماً، في موسم تاريخي سيطر فيه ليفربول على المنافسة بصورة شبه كاملة.
وخلال تلك السنوات، لم يكن صلاح مجرد هداف، بل تحول إلى رمز حقيقي للفريق. أهدافه الحاسمة في المباريات الكبرى، وقدرته على صناعة الفارق تحت الضغط، جعلته اللاعب الأهم في المشروع الذي بناه كلوب. كما شكل مع زملائه في الخط الأمامي واحداً من أقوى خطوط الهجوم في أوروبا، وساهم في إعادة الهيبة القارية للنادي الإنجليزي.
وبمرور الوقت، واصل النجم المصري تحطيم الأرقام القياسية الواحد تلو الآخر. وأصبح الهداف التاريخي لليفربول في الدوري الإنجليزي الممتاز وأحد أكثر اللاعبين تسجيلاً في تاريخ النادي بجميع البطولات، كما تحول إلى الهداف الأفريقي والعربي التاريخي للمسابقة. فأرقامه لم تعكس فقط موهبته التهديفية، بل أيضاً استمراريته المذهلة، إذ حافظ على معدلات تهديفية عالية لسنوات طويلة رغم قوة المنافسة وتغير الظروف الفنية.
وعلى مستوى البطولات، نجح صلاح في حصد كل الألقاب الممكنة تقريباً مع ليفربول، بداية من دوري أبطال أوروبا والدوري الإنجليزي الممتاز، مرورا بكأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبية، وصولًا إلى كأس الاتحاد الإنجليزي وكأس الرابطة والدرع الخيرية.
أما فردياً، فقد حصد صلاح الحذاء الذهبي أكثر من مرة، وتوج بجائزة أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي، ودخل باستمرار ضمن القوائم النهائية للكرة الذهبية، ليصبح أول لاعب مصري وعربي يصل إلى هذه المكانة العالمية بثبات واستمرارية.
ورغم أن نهاية حقبة كلوب بدت بالنسبة لكثيرين بداية تراجع محتمل للفريق، فإن صلاح أثبت قدرته على التأقلم مجدداً مع المدرب الهولندي أرني سلوت. في البداية، ظهرت بعض التكهنات حول مستقبل النجم المصري مع المدرب الجديد، خاصة مع اختلاف أسلوب اللعب، لكن العلاقة بين الطرفين تطورت سريعاً بصورة إيجابية.
وأظهر سلوت احتراماً كبيراً لقيمة صلاح داخل الفريق، واعتمد عليه كقائد فني داخل الملعب وخارجه، بينما تعامل اللاعب المصري باحترافية كبيرة مع المرحلة الجديدة، مستفيداً من خبراته الطويلة في قيادة الفريق هجومياً.
وفي الموسم الأول لسلوت، كان صلاح هو ورقة الرهان الرابحة لليفربول، وساهم بشكل رئيسي في تتويج الفريق بطلاً للدوري الإنجليزي الممتاز.
لكن هذه العلاقة، التي وصفها صلاح في لقاء سابق أنها قائمة على المصارحة، لم تدم وتستمر على نفس الهدوء، ففي الموسم الحالي بدأت المشاكل تدب في غرفة اللاعبين، وبدا صلاح غير راض عن وضعه، ليشعر بأن سلوت لا يعطيه الاهتمام الكافي، بل وربما لا يؤمن بقدرته على الحسم، التي لطالما أظهرها لسنوات طويلة تحت قيادة كلوب.
ومع اقتراب المباراة الأخيرة في رحلته مع ليفربول، تبدو لحظة الوداع استثنائية لجماهير النادي. فصلاح لم يكن مجرد لاعب أحرز أهدافاً وصنع بطولات، بل كان أيقونة كاملة لحقبة ذهبية أعادت ليفربول إلى قمة الكرة الأوروبية والإنجليزية.
وصنعت تسع سنوات من الأهداف والأرقام والليالي التاريخية علاقة خاصة بين صلاح والجماهير، علاقة تجاوزت حدود كرة القدم لتجعل من نجم مصر واحداً من أكثر اللاعبين تأثيراً ومحبة في تاريخ النادي العريق.



