Live newsCulture and varieties

القوة.. ” فلسفة الجوكر”

القوة.. ” فلسفة الجوكر”

بقلم: سهام حسين القحطاني

التاريخ قوة والجغرافيا قوة والعقيدة قوة والهوية والثقافة قوة والعلم والمعرفة قوة.
وحيثما وُجدت هذه المصادر بعضها أو كلها خلقت قوة الشعوب.
ولو تأملنا الصراع منذ التاريخ الإنساني الأول سنجد أنه ينطلق من خلال مصادر القوى السابقة، فمن يملكها يملك استحقاق القوة، فمن لا تاريخ له يسعى إلى سلب من له تاريخ ويخلق لنفسه تاريخا ‘مهما طال سيختفي يوما ما؛ لأن لا جذور راسخة له، ولأن التاريخ ذكريات خالدة تقاوم كل دخيل، “وخوف الغزاة من الذكريات”-محمود درويش.
ومن لا جغرافيا له سيسعى إلى جغرافية يلتصق بها لأن الأرض مصدر قوة الشعوب فهي رمز لأصالتهم وثقافتهم وحضارتهم، فالجغرافيا ليست خارطة تضاريس بل هي هوية الشعوب التي تدافع بحياتها من أجلها.
والعقيدة قوة؛ لأنها تمثل قيم ومبادئ وحضارة الشعوب التي تدافع عنها وعن حقها في الوجود وترسيخها بل ونشرها، وهنا يأتي دور الحروب لا بسبب الجغرافيا ولا التاريخ بل بسبب نشر عقيدة ما والمراهنة هنا غالبا على كلما زادت جغرافية العقيدة قويت العقيدة وهو ما يعلل لنا الحروب الدينية.
وفي كتاب “صدام الحضارات” يؤكد المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون، أن الهوية والثقافية ستظلان مصدرا متجددا لقوة الشعوب ولو توارت بعض حين في ركن بعيد، كما أنها في ذات الوقت قد تتحول إلى مصدر صراع.
ومع تطور مفهوم القوة و امتداد تأثيرها خارج التاريخ و الجغرافيا ظهر لدينا العلم و المعرفة كمحركين مهمين لاتجاهات القوة، وأصبح من يملك قوة العلم و المعرفة يمكن أن يصنع له تاريخا وجغرافيا ولو من ورق، لأن بالعلم و المعرفة يستطيع الإنسان أن يصنع أعظم الأسلحة الفتّاكة و يصبح مصدر رعب للجميع، وبالعلم و المعرفة يستطيع الإنسان أن يخلق له بدائل تمنحه القوة المطلقة، والاستحقاق الكامل لاستعمار الإنسانية عن بعد ثقافيا و فكريا و تقنيا، أي المنح الكامل لحق التصرف في عقول الشعوب الأخرى.
إن أخطر ما في حتمية القوة خصائص استحقاقات القوة، فالقوي هو الذي يصنع معايير العدالة.
والأمر لا يقتصر على حق تحكم القوي في تشكيل قوانين العدالة التي تتفق
معه،بل وحقة في إعادة المنظومة الأخلاقية التي تناسبه.
وكان نيتشه أول من صرح بهذا الحق لمن يملك القوة أو كما أسماه “الإنسان الأعلى”، وبذلك تعيش الإنسانية بين منظومتين اخلاقيتين، منظومة أخلاقية خاصة بالأقوياء ومنظومة أخلاقية خاصة بالضعفاء.
وبما أن ” الضعيف لا يٌساوي شيئا في فكر نيتشه” فمنظومة الأقوياء هي التي تسود ولو كانت هي الأقليّة؛ “فالفيتو” قوى أقليّة تنتصر دوما على صوت الأغلبية لكونها تمتلك قوة عظمى، ولأن القوة هي بديل للأغلبية، فنيتشه لم يكن يعترف بقيمة الديمقراطية وحق انتصار الأغلبية؛ لأنها تقضي على عظمة الأبطال وتساويهم بالضعفاء.
ولعل أخطر ما لمّح إليه نيتشه في نظريته “الإنسان الأعلى” حق من يملك صفات الإنسان الأعلى في البقاء مقابل إفناء الضعفاء هي فكرة ما سُميت بعد ذلك “بالمليار الذهبي” ولو تأملنا جحيم الموت التي تتعرض لها الشعوب في كل مكان وكأنه مخطط منظم لنشر الموت سنتأكد أن هناك أيدي في الخفاء تسعى لتصفية البشرية فلا يبقى إلا من يملك صفات الإنسان الأعلى كونه من يملك خصائص القوة.
إن المفاهيم الجديد للقوة غالبا ما تتشكل بعد الصراعات الكبرى؛ لأن حاصل الانتظار غالبا ما يفرز قوى جديدة، ففي عام 1944م ظهر مصطلح “القوى العظمى” الذي صاغه المفكر ويليام آر فوكس بعد الحرب العالمية الثانية،و مصطلح “القطبية الأحادية” الذي ظهر بعد انتهاء الحرب الباردة والذي صاغه المفكر السياسي تشارلز كراو تهامر”.
إن إطارات القوة ومسمياتها تتغير في كل زمان ومكان لكن غايتها عند من يمتلكونها تظل واحدة “الإنسان الأعلى” في صورة الجوكر ومنطقه إنه ذات الفرعون القديم ولكن بوجه مختلفة وأزياء متنوعة وساعات زمن متطورة.

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button