Live newsKnight of the Arab poets

اثنان وثلاثون عامًا من فقد أبي… وما زال أبي يكبر في قلبي

Live news

اثنان وثلاثون عامًا من فقد أبي… وما زال أبي يكبر في قلبي

 

بقلم محمد احمري

 

رحل أبي وأنا في الثامنة من عمري،

رحل في العمر الذي ما زال فيه الطفل يظن أن الآباء لا يموتون،

وأن الأيادي التي تمسك بنا لا تُفلت،

وأن الصوت الذي ينادينا آخر الليل سيبقى إلى الأبد.

في تلك اللحظة، لم أفقد أبي فقط…

فقدت السقف الذي كان يحمي طفولتي من المطر،

فقدت السؤال الذي كنت أهرب إليه،

وفقدت الطمأنينة التي لا تُدرّس ولا تُشترى.

كبرتُ قبل أواني،

تعلمتُ كيف أربط حزني وحدي،

وكيف أُخفي انكساري خلف ابتسامة رجلٍ صغير،

قيل لي: “كن قويًا”،

ولم يخبرني أحد أن القوة أحيانًا تعني أن تبكي بصمت.

مرت اثنان وثلاثون عامًا…

ثمانية وثلاثون؟ لا،

مرت أعمار كاملة وأنا أبحث عن أبي في وجوه الرجال،

في نبرة نصيحة،

في كتفٍ يُربّت عليّ،

في دعاءٍ صادق لم أعرف ممن أتى.

اليوم أنا في الأربعين،

لكن داخلي طفل في الثامنة

ما زال يقف عند باب الغياب،

ينتظر عودة لن تأتي،

ويؤمن أن أبي لو رآني الآن لقال:

“كبرت يا ولدي… سامحني لأنني لم أستطع البقاء.”

يا أبي…

علّمتني الحياة بعدك كيف أكون مسؤولًا دون أن أتعلم على يديك،

وكيف أكون سندًا دون أن أستند،

وكيف أحب دون أن أُحتضن.

غيابك لم يكن فراغًا…

كان امتحانًا طويلًا اسمه الصبر،

وكان درسًا قاسيًا اسمه الاعتماد على الله ثم النفس.

رحلتَ جسدًا،

لكن اسمك كبر معي،

وصوتك ما زال يُصحّحني في داخلي،

ودعاؤك—أؤمن—ما زال يسبقني في الطرقات.

سلامٌ عليك يا أبي،

في قبرك، في ذكراك، في قلبي،

وسلامٌ على ذلك الطفل

الذي تعلّم مبكرًا

أن بعض الغياب… لا يُشفى منه العمر كله.

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button